في الآونة الأخيرة، تصاعدت التصريحات غير الدقيقة التي تصدر عن بعض المحللين والخبراء الأمنيين عبر وسائل الإعلام، حتى باتت أقرب إلى "أحاديث مقاهٍ" منها إلى تحليلات تستند إلى مصادر موثوقة أو خلفيات مهنية رصينة. والمشكلة لا تكمن في حرية الرأي، بل في خطورة تحويل المنابر الإعلامية إلى أدوات لبث الخوف والقلق بين المواطنين، في وقت يحتاج فيه العراق إلى خطاب متوازن وواقعي يعزز الثقة بالوطن ومؤسساته.
فقد خرج علينا من يزعم أن وادي حوران "محمية أمريكية" لا تستطيع القوات العراقية دخوله، وأنه يعج بالجماعات الإرهابية؛ وهو ادعاء لا يمت للحقيقة بصلة. وظهر آخرون يطلقون توقعات كارثية عن سقوط النظام أو اندلاع معارك وشيكة، بينما راح بعضهم يتحدث عن "مئات الخلايا الإرهابية الشيعية" في الوسط والجنوب خلال الزيارة الأربعينية دون أي دليل. وهناك من ذهب أبعد من ذلك حين ربط خسوف القمر بما يحدث في العراق، أو تحدث عن انسحاب أمريكي مرتبك من عين الأسد لا يتعدى "ترك الملابس".
مثل هذه الطروحات لا تقدم قراءة استراتيجية جادة، بل تخدم أعداء العراق من حيث لا يدري أصحابها، عبر بث الرعب وإضعاف الثقة بين المواطن والدولة.
في المقابل، هناك حقائق واضحة على الأرض: الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني تبذل جهوداً كبيرة في مفاوضات معمقة مع واشنطن لإنهاء وجود التحالف الدولي. وقد جرى الاتفاق على انسحاب القوات من عين الأسد وقيادة العمليات المشتركة والجانب العسكري من مطار بغداد إلى أربيل بحلول أيلول 2025، وصولاً إلى انسحاب كامل ونهائي من العراق في أيلول 2026. هذه خطوات عملية وملموسة لا تحتمل التأويلات المثيرة للهلع.
إضافة إلى ذلك، تشهد بغداد زيارات لوفود أمريكية رفيعة، من بينها وفد من الكونغرس، للبحث في ملفات التنمية والاستثمار والمشاريع الاستراتيجية، فضلاً عن دخول شركات نفطية أمريكية جديدة للعمل في العراق. هذه مؤشرات تعكس صورة مغايرة تماماً لما يطرحه بعض المحللين، وكأنهم يتحدثون عن بلد آخر.
إن تجربة العراق في تنظيم الرسالة الإعلامية الأمنية والعسكرية ليست بعيدة عن الأذهان؛ ففي الفترة بين آب 2014 وحتى نهاية 2017، التزم المسؤولون الأمنيون بعدم تمرير أي معلومات غير دقيقة إلى الإعلام، حفاظاً على الجبهة الداخلية ودعماً لجهود التحرير. واليوم، نحن بحاجة إلى استعادة هذه الروح من الانضباط والمسؤولية في الخطاب الأمني.
إن العراق بلد يضم أكثر من 45 مليون إنسان، وفيه نجاحات حقيقية ينبغي إبرازها، لا أن يُختزل المشهد فقط في السلبيات والتهويل. النقد السياسي والأمني مشروع، لكن لا يجوز أن يصل إلى حد إضعاف الوطن أو التشكيك بقدراته.
وعليه ، فان مسؤولية الحكومة والإعلام والمحللين تكمن في تقديم خطاب واقعي ومسؤول، بعيداً عن المبالغات والادعاءات غير المستندة إلى حقائق. فالوطن لا يُبنى على الشائعات، وإنما على ثقة المواطنين بمؤسساتهم، وعلى حرص الجميع على صون الأمن والاستقرار.