"رحّة" ومسدس ووثائق عثمانية.. تراث حيّ يقبع في غرفة صغيرة بالناصرية وصاحبه يشكو غياب الدعم

5 قراءة دقيقة
"رحّة" ومسدس ووثائق عثمانية.. تراث حيّ يقبع في غرفة صغيرة بالناصرية وصاحبه يشكو غياب الدعم غرفة التراثيات في الناصرية (الجبال)

وسط تلك المدينة الجنوبية داخل غرفة ضيقة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار مربعة، يقبع عالم كامل من التاريخ والتراث، ففي هذه الغرفة تتناثر مئات القطع الفنية بين الأحجار والمعادن والأدوات القديمة والصور التي تحمل في تفاصيلها حكايات تمتد إلى عقود مضت، لكن صاحبها يشكو غياب الدعم الحكومي.

 

لكل قطعة معلّقة على جدران هذه الغرفة قصة وحكاية وصفحة من تاريخ مدينة عريقة، تثير في الزوار شعوراً غامضاً بالحنين إلى الماضي، انها غرفة التراثيات في مدينة الناصرية التي أصبحت زاوية مميزة داخل مركز الرواق للفنون، إذ تلفت الأنظار إليها وتجذب الزوار لاكتشاف عبق التاريخ.

 

الشاب علي هادي، صاحب غرفة التراثيات في الناصرية، بدأ بجمع القطع التراثية والنادرة منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث كان شغوفا محباًّ للتراث، حتى يكاد أن يكون حبّاً فطرياً، ومع مرور السنوات تحوّل شغفه إلى مشروع يروي فيه قصة مدينة بكل تفاصيلها، وذلك على صعيد العائلات والعصور والتقاليد السائدة فيها، فعلى الرغم من صغر حجم غرفة علي التراثية، إلا أن ما تحويه من مقتنيات جعلها نافذة تطلّ على الماضي وتفتح الباب على تاريخ طويل من الثقافة والتراث الذي لا يزال ينبض في شوارع الناصرية.

 

 

 

في حديثه لمنصة "جبال" يروي علي قصة شغفه بالتراثيات، حيث يقول: إن " "الأمر في البداية كان مجرد تأثر بشقيقي الذي كان يعشق جمع القطع التراثية أخذت منحى آخر وهو جمع العملات المعدنية والورقية النادرة".

 

كان علي يقطع المسافات الطويلة ويغامر ويسافر في كل اتجاه بحثاً عن قطعة نادرة قد تضيف لمجموعته بصمة جديدة، لكن مع مرور الوقت، تحوّل اهتمامه من العملات إلى جمع التراث بكل أشكاله من أدوات وقطع فنية ووثائق تاريخية، حيث كان الأمر بمثابة بحث لا يهدأ عن كل ما يروي قصة من الماضي، على  حدّ قوله.

 

ورغم أنه لم يكن يمتلك مصدر دخل إضافي سوى وظيفته الحكومية، إلا أن هذا الشاب لم يكن ليبالي بالمبالغ التي ينفقها على هوايته فبكل شغف، كان ينفق كل ما يستطيع لجمع تراث المدينة وأعماله الفنية في الرسم التشكيلي "إنه عشق لا ينتهي" يقول علي بابتسامة، الذي أشار إلى أن "المهم هو أنه جمع هذا التاريخ العريق وحاول أن ينقله للأجيال القادمة فهم لا يدركون تماماً كيف كان آباؤنا وأجدادنا يعيشون وكيف كانوا يعملون والعبئ الذي تحمّلوه من أجل ديمومة الحياة، والغاية هي إعلامهم أنه كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم وأهمية هذا الترابط بين الماضي والحاضر".

 

تحت سقف هذه الغرفة الصغيرة، تتراصف ألف قطعة تراثية، وهي جزء من مجموعة ضخمة يزيد عددها عن 10000 قطعة، فهي وثائق حية تحمل ذكريات أجيال مضت، يضيف علي.

 

من بين القطع المعروضة أمام الزوار تبرز "الفالة" تلك الأداة التقليدية لصيد الأسماك وتستخدم في القتال أيضاً، والتي تتكون من رؤوس معدنية مدببة مربوطة على عمود خشبي، وأيضا "الرحّة" تلك الآلة القديمة التي كانت تستخدم لطحن الحبوب، إذ تعمل عليها النساء في الماضي، حيث يتم تدوير هذه الحجرة الضخمة عبر مقبض خشبي مثبت أعلى الحجر لتتحول الحبوب إلى طحين.

ولا تقتصر المقتنيات هذه على الأدوات فقط بل تشمل أيضا مسدساً يعود تاريخه لعام 1890 وخناجر متنوعة بالإضافة إلى عملات معدنية تروي تاريخ مدينة وحضارتها، ومن بين أندر الوثائق نجد عقد زواج قديم يعود للعهد العثماني، وطابو لعقار معين، وكل منهما مختوم بختم حراري، ليثبت أن الزمن يظل شاهداً على لحظات حاسمة في التاريخ.

يسعى علي هادي حاليا إلى تطوير غرفة التراثيات لتوسيعها واستقبال أكبر عدد ممكن من الزوار، وهو أمر يتطلب تمويلاً مناسباً، ووفقاً لما ذكره فإن "هذا التمويل غير متاح في الوقت الراهن إلا في حال قررت الحكومة المحلية، بشقيها التشريعي والتنفيذي، تبنّي هذا المشروع الثقافي والفني أو أن تقوم إحدى المنظمات بدعم مثل هذه المشاريع التي تعتبر جزء أساسياَ من الحفاظ على التراث وتاريخ المدينة".

 

وفي هذا السياق، أكد الكاتب حسين كريم لمنصّة "جبال"، على "أهمية المشاريع الثقافية التي تحمل طابعاً تراثياً"، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أنها "بحاجة إلى رعاية واهتمام خاصين".

 

وقال كريم، إن "هذه المشاريع تروي تاريخ مدينة بالكامل، وتوثق ذاكرة جيل بأسره رغم أن القطع التراثية قد تكون صغيرة، إلا أنها تحمل بين طياتها أحداثاً مهمة لم تُسجل بعد، ودعم هذه المشاريع يعتبر من الضروريات الأساسية، ويجب على الوزارات المعنية في الشأن الثقافي تخصيص جزء من ميزانيتها لهذه الأفكار والمبادرات التي تسهم في الحفاظ على الهوية والتاريخ".

 

 

 

مرتضى الحدود صحفي عراقي

نُشرت في الأربعاء 2 أبريل 2025 04:43 م

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية


© 2025 الجبال. كل الحقوق محفوظة.