"أقاليم للطوائف" وتهديدات بثروات العراق.. هل نقاشات الأقلمة واللامركزية لـ"الطشة" أم واقع سيفرض؟

17 قراءة دقيقة
"أقاليم للطوائف" وتهديدات بثروات العراق.. هل نقاشات الأقلمة واللامركزية لـ"الطشة" أم واقع سيفرض؟ تعبيرية

منذ سنوات، يتكرر الحديث عن الفدرالية بوصفها مخرجاً للأزمات المتكررة في البلاد. لكن خلف هذا الطرح "الدستوري"، هناك من يهمس، ويخطط، ويحرّك، تحت الطاولة، نحو تقسيم البلاد "طائفياً"، بخطاباته وتصريحاته، فضلاً عن تهديدات مستمرة بـ"الثروات"، حيث تحدث سياسيون يعتبرون من الأساسيين في النظام السياسي عن أن "نفط الشيعة للشيعة"، أما آخرون، فقد تطرقوا إلى أن "مياه السنة، ستكون للسنة"، وهكذا تتصاعد التهديدات التي اعتبرت طائفية. 

 

والدعوات المتجددة لهذا الأمر تتخذ من تجربة "إقليم كوردستان" نموذجاً ليتم تطبيقها في مناطق أخرى من العراق، وعلى الرغم من أن المعارضين للأمر يقولون إن تجربة كوردستان مختلفة وفيها خصوصيات سياسية وقومية، نظراً لما حصل في حكم نظام صدام حسين وما سبقه، لكن الأمر ما زال آخذاً بالتوسع في تصريحات لافتة تصدر من قبة البرلمان، وتعكس قناعة راسخة لدى بعض السياسيين بأن تقسيم البلاد إلى أقاليم طائفية قد يكون حلاً عملياً لأزمات الثقة والإدارة، ومنها فكرة "الإقليم الشيعي"، أو فكرة "الإقليم السني". 

 

في هذا السياق، تؤكد النائب إيمان عبدالرزاق، عن حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني وعضو اللجنة القانونية النيابية، أن "نظام الأقاليم هو نظام ديمقراطي ناجح يمكن أن يعيد ترتيب البيت العراقي". وقالت عبدالرزاق في تصريح خاص لمنصة "الجبال"، إنه "كنا نتمنى أن يكون عراقنا موحداً ومتعدد المكونات والمذاهب، لكن الواقع يثبت العكس. هناك فجوة واضحة وحالة من عدم الثقة بين المكونات: السنية، والشيعية، والكوردية، خصوصاً في ظل الأزمات المتكررة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان".

 

وأضافت: "لذلك أرى أن انقسام العراق إلى ثلاثة أقاليم – سني وشيعي وكوردي – هو أمر طبيعي، بل وإيجابي أيضاً. هذا من شأنه أن يسهم في حل الكثير من القضايا العالقة بطريقة أكثر واقعية، بحيث يبني كل إقليم نفسه بما يتناسب مع خصوصيته. وهذه ليست دعوة إلى التقسيم بقدر ما هي رؤية لحل دستوري ديمقراطي مشرّع". 

 

وختمت البرلمانية حديثها بالتأكيد على نجاح تجربة الإقليم قائلة: "أستطيع أن أجزم أن تجربة إقليم كوردستان نجحت على صعيد الإعمار والعلاقات الخارجية، وهي قابلة للتطبيق في باقي أنحاء العراق".

 

"فيدرالية مشروطة"


أما بخصوص إمكانية تعميم تجربة إقليم كوردستان على المحافظات الغربية، فيرى عمر جاسم الفهداوي، القيادي في حزب تقدم، أن ذلك مشروط بعدة عوامل: "لا شك أن تجربة كوردستان نجحت نسبياً، لكن نجاحها قائم على خصوصيات سياسية واقتصادية. تطبيقها في مناطق أخرى يتطلب ضمانات حقيقية لوحدة العراق، وعدالة في توزيع الموارد، واستقرار أمني وسياسي. إذا توفرت هذه الشروط، فإن الفكرة تصبح قابلة للتطبيق".

 

وقال الفهداوي لـ"الجبال" إن "تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم فكرة جيدة بالرغم من انها تحمل تحديات كبيرة. لكن نجاح تجربة إقليم كوردستان نسبياً تمهد الطريق أمامنا، إلا أن العراق يتميز بتنوع سكاني واجتماعي معقد، وأي مشروع للأقاليم يجب أن يراعي أولاً وحدة البلاد، ثم العدالة في توزيع الثروات وضمان الاستقرار السياسي والأمني". 

 

ويعتقد أن الطريق الأمثل لتحقيق ذلك هو تعميق الإدارة التنموية، قائلاً: "الحل الأفضل هو تعزيز اللامركزية ولكن في الوقت ذاته دون المساس بوحدة الدولة بشكل عام، لأن توزيع الثروات بشكل غير عادل بين الأقاليم سيخلق فجوات اقتصادية تهدد استقرار البلاد، حتى وإن توفرت إدارة رشيدة للموارد".

 

 

الدستور يُبيحها.. فمَن يمنعها؟


ويرى بعض المختصين في القانون أن مشروع الأقاليم لا يمثل تهديداً لوحدة العراق، بل هو استحقاق دستوري مؤجَّل، يمكن أن يسهم – إذا ما تم تفعيله – في حل أزمات إدارية وخدمية مزمنة، ومنح المحافظات فرصة للنهوض بعيداً عن المركزية المعطّلة.

 

الخبير القانوني، علي التميمي، يؤكد أن إنشاء الأقاليم منصوص عليه بوضوح في الدستور العراقي، ولا يحتاج سوى إلى تفعيل الآليات القانونية والتنفيذية.

 

وقال التميمي لـ"الجبال" إن "الدستور العراقي، في مادته الأولى، نص على أن النظام السياسي في العراق هو نظام فيدرالي اتحادي، كما فصلت المواد من 116 إلى 123 آلية إنشاء الأقاليم. المادة 116 تحديداً تجيز لمحافظة واحدة أو أكثر أن تشكل إقليماً، بل وتسمح بانضمام محافظات إلى أقاليم قائمة، مثل كركوك مع إقليم كوردستان، وهذه كلها مواد دستورية صريحة لا تقبل التأويل". وأضاف "القانون رقم 13 لسنة 2008 نظم خطوات تشكيل الأقاليم بدقة، من خلال تقديم الطلب من ثلث أعضاء مجلس المحافظة أو عُشر الناخبين، ثم يُحال إلى مجلس الوزراء، ومنه إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي تُجري استفتاءً عاماً. وفي حال رفض الطلب، يمكن الطعن أمام المحكمة الاتحادية، أو إعادة المحاولة بعد عام كامل".

 

ويشير التميمي إلى أن الكثير من الاعتراضات على مشروع الأقاليم تنطلق من سوء فهم قانوني: "الحديث عن تأثير الأقاليم على الموارد والنفط والغاز غير دقيق، لأن الأقاليم تبقى ملزمة بتقديم نسب معينة إلى الحكومة الاتحادية. هذا معمول به في كل الدول الفيدرالية، وليس خروجاً عن القانون أو تهديداً للوحدة".

 

أما من الناحية العملية، فيرى أن تجربة الأقاليم يمكن أن تعالج التفاوت التنموي بين المحافظات، "البصرة – كمثال – محافظة تسبح على بحر من الثروات لكنها تعاني من تهميش مزمن. هي تملك كل مقومات الإقليم الناجح: اقتصادياً، سياسياً، وبشرياً. وكذلك الأنبار وكربلاء، إذ شهدتا تطوراً كبيراً في السنوات الأخيرة، ويمكن أن تكونا مؤهلتين للتحول إلى أقاليم نموذجية".

 

وختم التميمي حديثه بالقول: "فكرة الأقاليم ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة إدارية واقتصادية تخدم المواطنين، وتقرب الحكومة من الناس. وإذا كانت مجالس المحافظات هي صور مصغّرة من الأقاليم، فلماذا لا نمنح هذه الصورة كامل صلاحياتها؟".

 

 

ليست النخبة السياسية وحدها من تتداول فكرة الأقاليم بوصفها حلاً ممكناً لأزمات العراق المتراكمة. في الشارع أيضاً، تبرز أصوات تطالب بخطوة مشابهة لما جرى في إقليم كوردستان، بعد أن تحولت محافظاته إلى وجهة تنموية وسياحية يقصدها العراقيون من مختلف المناطق.

 

مهيمن سلام، مواطن من بغداد ومتابع للشأن السياسي، لا يرى في مشروع الأقاليم تهديداً، بل فرصة للتنمية، ويقول: "تجربة إقليم كوردستان ناجحة جداً، وهي نموذج يُحتذى به. خلال ما يقارب عشر سنوات، شهدنا تطوراً عمرانياً وخدمياً واضحاً، أشبه بما نراه في دول أوروبية. في المقابل، محافظات الوسط والجنوب تعاني من التراجع والإهمال".

 

ويتابع: "الدستور العراقي فيدرالي، ويمنح الحق في إنشاء الأقاليم. الفكرة ليست تجزئة للوطن، بل تنظيم إداري يسمح لكل منطقة بأن تستثمر مواردها وتطوّر بناها التحتية. إذا حصل ذلك، فإن فرص العمل ستزيد، وسينشغل كل إقليم بتطوير نفسه بدل الصراعات السياسية المركزية".

 

من محافظة السماوة، يشارك زامل السيد، وهو متابع سياسي آخر، نفس القناعة، مشيراً إلى أن الوضع الخدمي المتدهور هو ما يدفع المواطنين للتفكير بخيار الأقاليم.

 

يقول زامل: "أكثر من عشرين سنة ونحن نعيش أزمات في الكهرباء والماء والخدمات. صار من الطبيعي أن نبحث عن بدائل. فكرة تقسيم العراق إلى أقاليم ليست سلبية، بل منطقية، وتتماشى مع الدستور ونماذج الدول الفيدرالية".

 

ويضيف: "نحن في الجنوب نذهب للسياحة في كوردستان، ونشاهد حجم التطور والخدمات. كوني من المكون الشيعي الجنوبي، أتمنى أن يكون لنا إقليم يتيح لنا استثمار موارد أرضنا بطريقة صحيحة. تجربة كوردستان أثبتت نجاحها، وعلى السياسيين أن يتعلموا منها".

 

اقتصاد بالإدارة لا بالمركز

 

رغم التحذيرات من أثر التقسيم على الاقتصاد الوطني، هناك من يرى أن الأقاليم – إن أُديرت بكفاءة – قد تتيح لكل منطقة استثمار مواردها الخاصة وتنظيم اقتصادها المحلي بشكل أفضل، بما يحرّرها من تعقيدات الإدارة المركزية ويقربها من تحقيق نمو فعلي على الأرض.

 

الخبير الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش، يشير إلى أن قوة الاقتصاد لا تأتي بالضرورة من المركزية، بل من حسن إدارة الموارد، وتوزيعها بعدالة، بما يتيح لكل محافظة أو إقليم أن ينهض بإمكاناته.

 

يقول حنتوش: "العراق بلد غني يمتلك تنوعاً هائلاً في الموارد، من النفط والمياه إلى الزراعة والمعادن، وهذه الموارد موزعة على محافظات مختلفة كالكوت، وبابل، وصلاح الدين، وديالى. إذا ما أُتيحت لهذه المناطق الفرصة لإدارة مواردها ضمن إطار قانوني منظم، فإنها ستكون قادرة على إعالة ملايين الناس وتحقيق تنمية محلية واسعة".

 

ويرى أن المشكلة ليست في شكل النظام، بل في طريقة إدارة الاقتصاد: "كل ما يحتاجه العراق هو إدارة صحيحة للأموال وتنظيم الاستثمار، ليس بالضرورة عبر سلطة مركزية واحدة، بل من خلال منح صلاحيات حقيقية للمحافظات أو الأقاليم التي تعرف جيداً حاجات مناطقها".

 

نفط واحد.. أقاليم متعددة

 

ويرى بعض الخبراء أن النموذج الفيدرالي لا يعني بالضرورة الانفصال أو التفكك، بل قد يمثل حلاً عملياً لإدارة بعض الملفات الشائكة، وفي مقدمتها ملف الطاقة.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير النفطي، حيدر حُقب، أن هناك تجارب دولية ناجحة في إدارة الموارد الطبيعية ضمن أنظمة فيدرالية متعددة الأقاليم، يمكن أن تشكل نموذجاً يُحتذى به في العراق. ويقول إن "الدول المرسومة بالفيدرالية (الاتحادية) والتي تتألف من أكثر من إقليم، مثل سويسرا وإسبانيا وكندا، تُدار فيها ملفات الطاقة بشكل مركزي من قبل الحكومة الاتحادية. والعراق اليوم يضم إقليماً واحداً هو إقليم كوردستان، لكن لو تم اعتماد نظام الأقاليم – كأن يكون هناك إقليم وسط، وآخر جنوبي، وآخر غربي – فسيُدار ملف الطاقة وفق نموذج مركزي مشابه لتلك الدول. إذ تبقى وزارة النفط ووزارة الطاقة ووزارة الكهرباء مؤسسات اتحادية تدير هذا الملف، مع إمكانية منح بعض الصلاحيات الفنية والإدارية للأقاليم".

 

ويؤكد حُقب أن "تجارب العالم الفيدرالي أثبتت أن منح الأقاليم بعض الصلاحيات لا يتعارض مع بقاء القرار الاستراتيجي بيد الحكومة المركزية، بل يساهم في تخفيف العبء عنها، ويشجع كل إقليم على زيادة إنتاجه ورفع كفاءته بما يخدم اقتصاده المحلي وتطوره. هذا من شأنه تقليص المركزية المفرطة التي تعيق العمل والتطوير. ورغم أن فكرة الأقاليم ما تزال تُطرح بخطى خجولة في العراق، إلا أنها تجربة جديرة بالتأمل والدراسة".

 

الأقاليم.. لعبة التوقيت

 

في كل موسم انتخابي تقريباً، تطفو على السطح شعارات وهواجس سياسية تتجه نحو قضايا أكثر حساسية، مثل دعوات إنشاء الأقاليم. وفي خضم غياب مشروع وطني جامع، قد تتحول هذه الخطابات إلى أدوات جذب انتخابي، لا أكثر.

 

النائب كاظم عطية الشمري، وهو من التيار الشيعي المعتدل، يرى أن عودة الخطاب المتعلق بالأقاليم في هذا التوقيت، لا ينفصل عن الاستعدادات الانتخابية، ومحاولات بعض القوى السياسية تعبئة جمهورها عبر مفردات الهوية والانتماء.

 

وقال الشمري لـ"الجبال": "بعد أكثر من عشرين عاماً على العملية السياسية، كان من المفترض أن ننتقل إلى مرحلة الدولة الموحدة، القوية، التي تستثمر في شعبها وثرواتها. لكننا بدأنا نسمع خطابات تُقسّم البلد إداريا".

 

ويؤكد أن توقيت هذه الخطابات ليس بريئاً: "دعوات الأقاليم في هذا الوقت ترتبط بقرب الانتخابات. القوى السياسية – في ظل غياب مشروع وطني جامع – تلجأ أحياناً إلى إثارة القضايا الحساسة والمصيرية لاستدراج جمهورها. وهذا يُعيدنا إلى أجواء كنّا نأمل تجاوزها".

 

ورغم تحفظه على شكل الخطاب، إلا أن الشمري لا ينكر أن فكرة الأقاليم منصوص عليها في الدستور، بل يشير ضمناً إلى أن النقاش حولها يجب أن يكون عقلانياً لا عاطفياً، ويقول: "نحن لا نرفض النقاش، لكن يجب أن نرتقي بخطابنا إلى مستوى الدولة الواحدة، ونفكر بسلامة العراق كوطن، لا فقط كقواعد انتخابية أو طوائف".

 

صوت خافت من الداخل الشيعي

 

بعض الأصوات بدأت تخرج، وإن على استحياء، لتتبنى وجهة نظر مغايرة ترى في الأقاليم فرصة للنهوض الاقتصادي وليس مدخلاً للتفكك. وفي هذا السياق، كشف سياسي شيعي – فضّل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ احترازية تتعلق بمخاوف الإقصاء من محيطه السياسي – عن تأييده لفكرة الأقاليم، قائلاً غن "موضوع التقسيم في العراق لا يجب أن يُفهم كتهديد لوحدة البلاد، بل كفرصة اقتصادية يمكن أن تنهض بجميع المحافظات، لا سيما الجنوبية التي عانت ويلات وأزمات اقتصادية واجتماعية على مدى سنوات طويلة. الأقاليم قد تكون الحل الأمثل، بشرط أن تبقى تحت راية العراق الموحد".

 

وأضاف: "المحافظات الجنوبية اليوم تعيش في ما يشبه العصر الحجري من حيث الخدمات والبنى التحتية. وإذا ما أُقرّ نظام الأقاليم وتم استثمار موارد تلك المحافظات بالشكل الصحيح، فسنشهد تطوراً عمرانياً واقتصادياً يمكن أن يضع هذه المدن في مصاف الدول المتقدمة".

 

وأردف بالقول إن "الأصوات الشعبية التي تطالب بالأقلمة حاضرة بقوة، وتظهر بشكل متكرر على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً في محافظة البصرة. ولا يمكن تجاهل هذه الدعوات أو إنكار وجودها. نحن نؤيد هذا المقترح بشدة، وهو لا يحمل طابعاً طائفياً أو عرقياً كما يتصور البعض، بل هو مشروع اقتصادي بحت يصب في مصلحة الجنوب العراقي".

 

ساسة "الطشة"

 

رغم أن الجنوب العراقي – حيث الثقل الشيعي – يُعد من أكثر المناطق تضرراً من سوء الخدمات وغياب التنمية، إلا أن الخطاب السياسي الشيعي تجاه مشروع الأقاليم لا يزال متحفظاً إلى حد كبير. ليس رفضاً للفكرة من حيث المبدأ، بل خشيةً من أن تؤدي إلى تفكك الدولة، أو أن تُستغل سياسياً في مزايدات انتخابية أو طائفية، بحسب عديدين. 

 

وفي هذا السياق، تُطرح فكرة الأقاليم كخيار دستوري، لكنها تبقى مشروطة، وتحاط بجدران من الحذر والواقعية السياسية.

 

كاظم الطوكي، النائب عن محافظة ذي قار، يرى أن التجارب القاسية التي مر بها العراق تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية لا التفكير في الفصل. وقال الكوطي لـ"الجبال" إن "العراق مرّ بتجارب أليمة، من الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، خصوصاً في الحرب ضد داعش، وكانت كلها امتحاناً حقيقياً لوحدة البلد. اليوم، ومع تسارع الأحداث في المنطقة، نحن بحاجة إلى عراق قوي وموحد".

 

ويؤكد أن فكرة التقسيم وإن كانت موجودة في الدستور، إلا أنها تخضع لشروط دقيقة ولا يمكن تطبيقها بشكل عشوائي، "الدستور يتيح هذا الخيار، لكنه يشترط تصويت ثلاث محافظات على الأقل. من يروّج لهذه الفكرة أحياناً لا يهدف إلا إلى (الطشة) أو شد مشاعر طائفته لأغراض انتخابية، لكن الواقع يقول إن الشعب اليوم أكثر وعياً".

 

ويضيف: "الحديث عن أن الجنوب يطالب بالتقسيم بسبب الفقر، فيه اختزال للواقع. العراق كله يعاني من سوء الإدارة، وليس الجنوب فقط. تجول اليوم في بغداد أو المحافظات، لن تعرف من هو السني أو الشيعي، التعامل أصبح طبيعياً، والحياة اليومية تشهد تعايشاً واضحاً"، لافتاً إلى أنه "صحيح أن بعض الكتل السياسية تؤمن بالتقسيم لأنها ترى فيه وسيلة لمصالح أكبر وسلطة أوسع، لكنني شخصياً أرى أن هذا التوجه غير مناسب للعراق في الوقت الحالي".

 

ورغم أن خيار الأقاليم وارد دستورياً ومطروح على طاولة النقاش السياسي والشعبي، إلا أن شريحة من السياسيين الشيعة تعبر عن قلقها من أن يؤدي هذا الطرح إلى إضعاف الدولة، وتفتيت القرار الوطني، وربما إعادة العراق إلى مربع الصراعات الطائفية التي يسعى لتجاوزها.

 

ويذهب مهدي تقي، رئيس كتلة بدر النيابية، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الحديث عن الأقاليم في هذا الوقت هو محاولة لزرع الفتنة، وضرب وحدة البلاد.

 

ويقول تقي: "تطبيق الأقاليم هو بداية نهاية العراق، ومن يفكر بهذا المشروع، فهو واهم. العراق قدّم دماء من جميع أطيافه للحفاظ على وحدته، واليوم لا يمكن أن نسمح بإضعافه".

 

خيوط خارجية لخطاب داخلي

 

بعيداً عن التصريحات المباشرة، تقف وراء خطاب التقسيم دوافع أعمق من مجرد شعارات انتخابية أو طموحات إدارية. فوفقاً لمراقبين، ما يُطرح على السطح من "أقاليم مذهبية" قد يكون انعكاساً لصراعات إقليمية محتدمة، وفشل داخلي متراكم، بل وربما جزءاً من استراتيجية دولية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة.

 

المحلل السياسي علي فضل الله يقرأ هذا المشهد عبر ثلاث زوايا مترابطة، ويشير إلى أن تصاعد الدعوات الطائفية لتقسيم العراق ليس أمراً عشوائياً، بل تحكمه أجندات وخلفيات متشابكة.

 

وقال فضل الله لـ"الجبال" إن "الخطاب الطائفي الداعي إلى التقسيم في الفترة الأخيرة ليس خطاباً بريئاً، بل تقف وراءه ثلاثة أبعاد أساسية. الأول هو حالة الاحتقان الطائفي الإقليمي، والتي تضغط على بعض الشخصيات السياسية والإعلامية الشيعية للحديث بلغة طائفية، كرد فعل على الهجوم العربي الإعلامي أو السياسي تجاههم".

 

ويتابع: "البعد الثاني مرتبط بالداخل العراقي. هناك غياب واضح للمنجز السياسي والخدمي، ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تلجأ بعض الشخصيات إلى تغذية الحس الطائفي لكسب الجمهور، خاصة في ظل افتقارهم لأي إنجاز فعلي".

 

أما البعد الثالث، فهو الأكثر خطورة برأيه، إذ يرى أن هنالك "توجهاً دولياً منظماً" يقف خلف هذا النوع من الخطابات، "بعض الأصوات التي تدفع نحو التقسيم، تفعل ذلك عن وعي كامل بارتباطها بمشروع أوسع، تقوده قوى دولية تهدف إلى إضعاف الدول المحيطة بالكيان الصهيوني، عبر تقسيمها طائفياً وعرقياً".

 

ويختم فضل الله بالتأكيد على أن الخطاب الطائفي – وإن بدا محلياً – إلا أن جذوره متشابكة إقليمياً ودولياً، ويجب عدم التعامل معه على أنه مجرد رأي سياسي أو اجتهاد انتخابي.

مينا القيسي

نُشرت في الأربعاء 2 أبريل 2025 01:00 م

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية


© 2025 الجبال. كل الحقوق محفوظة.