فعلت الجراثيم الطائفيَّة التي امتَطَت دبَّابات قوات التَّحالف بقيادة الولايات المتحدة قادمة مِن منافيها نحو العراق بعد سقوط نظام حزب البعث عام 2003، ما لم تفعله القنبلة النوويَّة التي ألقتها الولايات المتحدة الأمريكية على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية وتحديدًا في أغسطس 1945م، على الرغم مِن أن هذه الجرائم كانت ذات بعدٍ واحد لكن ردود أفعال الشعوب بعد الصدمة كانت مختلفة جداً وهنا يكمن الفارق.
بشكلٍ مُباغت وسرعة جنونيَّة تدعو للريبة انفجرت براكين الجهل والتَّخلف في العراق بعد قدوم "مدّعي القداسة" بعمائمهم التِّجاريَّة والسِّياسيَّة ليُعلنوا بداية عهد جديد رأس ماله القيح الطائفيّ والتبعيَّة العمياء لصالحِ الأخطبوط الإيراني وغيره مِن الأنظمةِ التي تعتاش على دعم الانقسامات، وذلك بعد أن سَقَطَ عدوهم صاحب القيح الشِّعاراتيّ المُدَمِّر بطريقةٍ لم يشهدها العراق طوال تأريخه الحديث على أقل تقدير.
الأحجار المتناثرة يُعاد بناؤها، لكن ماذا بشأن العقول المُحطَّمة؟ هذا هو الفارق في النتائج التي أسفرت عنها كلٌّ مِن التَّجربتين. لم تُسعفنا الإرادة والعزيمة والضمير السَّويّ لإعلاء شأن بلادنا حتّى أمسى التراب الذي تجري مِن تحتهِ بحار مِن النفط رهينة عند الدول الكبرى وسط تَشَبُّث الأعم الأغلب بما حُرِموا منه لسنواتٍ طويلة مِن أمور روحيَّة ومذهبيَّة حتّى سُرق الحاضر والمستقبل مِن بين أيديهم كلَمحِ البصر.
انتظرنا "المُخَلِّص" لقرونٍ سحيقة ليُغَيِّر واقعنا وينتشلنا من ذلنا ونسينا {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11). فما لنا إلّا أنفسنا، لعلَّنا نُكَفِّر عن بعضٍ من ذنوبنا جرّاء الصَّمت المتوارَث على طول صرخات نفوق الحضارة التي لم يبقَ منها إلّا رائحة المجد المُحطَّم قدّام تواقيع رجالات التَّخريف على أوراقِ صكوك الغفران. فمِن أهم العوامل التي تؤدي إلى انهيار الحضارات العريقة حسب إيمان "أرنولد توينبي" هي: موت المبادرات الإبداعيَّة أو التَّميُّز والإنتاج المعرفيّ المستمر لدى المجتمع، وقيام الأغلبيَّة الساحقة ببيع ولائها بكلِّ حقارة للطبقة السلطويَّة الحاكمة، إضافةً إلى تشتت المجتمع بين توجهات ومجاميع قائمة على أساس المصلحة والطائفة والعِرق. أدّت هذه الكوارث بشكلٍ مباشر إلى دمار فكرة ما يُسمّى "بالشَّعب الواحد" أو "الأُمَّة الوطنية الواحدة". لذا لن تعود أيّ حضارة سبق وإن سقطت لعظمتها السابقة، إلا بعلاج الأمراض أعلاه بصورة مطلقة، بعيداً عن نفاق دعاة الحلول العرجاء وتجّار "الانتصارات الوهمية" فقد دَرَسنا التاريخ لسنواتٍ طوال، لم نقرأ أفظع وأقسى مِن هزائم الأمم التي تصرخ دائماً مع انتهاء كلّ هزيمة أو فاجعة مُحزنة: (انتصرنا). سَتَنتَصِر هذه الأمم قولاً وفعلاً عندما تقوم بنقد تراثها وشعاراتها وترتيب أولوياتها وإلّا فالعقود القادمة ستكون زاخرة (بالانتصارات الخائبة).
أتعس مرحلة مِن مراحلِ الذلّ التي يمر بها أيّ شعب مِن الشعوب هي قبوله وخنوعه لنظام سياسي غبي ومارق لا يملك أيّ شعور بالذنب أمام صرخات ضحاياه. ما هي الانتهاكات القاسية التي حصلت في عهد حزب البعث العربي الاشتراكي منذ سيطرته على الحكم بشكلٍ شموليّ بعد حركة 17 تموز 1968م ولم يجري ما يشبهها في نظام الأحزاب الإسلاميَّة ما بعد عام 2003م حتى هذه اللحظة؟! ذات الانتهاكات وذات التجاوز على إرادة الدّولة والقانون السليم. أنظمة تتنافس في محاولات التفوق على بعضها في مستويات التفاهة والانحطاط والظلم في معظم مخرجاتها غير المسؤولة. تحوّلنا مِن عنجهية وعجرفة القرار الغبيّ الأوحد إلى حماقة ووساخة الزمرة التوافقيَّة الطائفيَّة، مِن الدَّعارة السِّريَّة إلى الدَّعارة العلنيَّة، ومِن الشِّعارات القوميَّة لأغراضٍ تسلطيَّة إلى الشِّعارات المذهبيَّة لأغراضٍ استعباديَّة. القوم أبناء القوم، ليس بالضرورة عن طريق الدم، ربما عن طريق التَّعطش لتقليد الجلّاد السَّابق مِن باب الرغبة في تجربة الاحساس بنشوة السلطة والجَلد على الطريقة المذهبيَّة بعدما كانت سابقاً على الطريقة القوميَّة المتشددة.
لا نعرف بالضبط ما هي الدوافع التي تمنع الكثير مِن الأنظمة السِّياسيَّة مِن مراجعة تصرفاتها السابقة مع شعوبها لتجنب المصير الحتميّ الذي مِن الممكن أن يلحق بها كما لَحِقَ بالأنظمة التي سبقتها. هل هي دوافع تهدف لتكرار القسوة بوصفها الحل الأمثل لكلّ مشكلة شعبيَّة حقّة؟!، أم أن البيئة لها الدور الأكبر في هذا الجانب؟!. فمن غير المعقول بعد كل ما حدث على أرضنا -الفقيرة بنا- مِن حروب وانقلابات وأوبئة وتحولات مفصلية، لم تأت منظومة تختلف عن سابقاتها إلّا بتحديثات جديدة في التعذيب النفسيّ والقهر الاجتماعيّ والتصلب العقليّ وأسلحة القمع المعنوية والمادية على حدٍّ سواء. وكأن جميع العصابات والقوى التي حكمت أراضينا وشعوبنا على اختلاف أغلفتها لا تملك إلّا عقيدة واحدة لا غير ولسان حالها يقول: "لا عرش لنا من دون عظام المقهورين".
عندما نحلم بمنظومةٍ قوية منظمة عادلة على هذه الأرض الكريمة، يعطوننا منظومة تُعاملنا كنفاياتٍ تستحق الحرق أو الدعس، حسب كمية وحجم كل نفاية منّا حسب رأيهم. أصبحنا نسمع ونقرأ عن الحرية ولا نراها. وأين نراها يا ترى؟ في زوايا نوافذ السجون تارةً وفي أعين الشهداء المغدورين تارةً أخرى. في بلادنا، ليس هنالك سلطة أفضل من غيرها، بل هنالك سلطة أسوأ من غيرها. الجميع ينتظر الفرصة الذهبيَّة للفتك بالجميع.