في مايو 2005 كنتُ في مدينةٍ جنوب العراق، وكان أحد الأقارب يعاني من ضعف السيطرة على ابنه الذي التحق بإحدى المليشيات. استوقفته، وكان يحمل قاذفة RPG على كتفه، وسألته عمّا يفعل، فقال إنه يريد ضرب رتل من العجلات التابعة للجيش الإيطالي، المتمركز حينها في المنطقة كجزء من قوات التحالف الدولية التي أسقطت نظام صدّام.
"وما الذي تريده من ضرب هذه العجلات؟ يُحتمل أن يستدير الجندي ويقتلك! لماذا تريد مقاتلتهم؟". ردّ عليّ بأنه يدافع عن دينه، وأن الأميركيين وجيوش التحالف جاؤوا للعراق من أجل تدمير دينه. عبثاً فشلت المحاولات لإقناعه بلا عقلانية كلامه، وأن الأميركيين وحلفاءهم قد يكون لهم أغراض وفوائد خاصّة بهم من الاحتلال، وليسوا ملائكة، ولكنهم لا علاقة لهم بدينك يا عزيزي.
في الفترة نفسها سادت شائعة عن قرب ظهور الإمام المهدي، الإمام الغائب عند الشيعة الاثني عشرية، وأن مجيء الأميركيين للعراق هو من أجل التصدّي له حال ظهوره.
في هذا الجو من الأساطير والمبالغات كان يمكن تمرير أي شيء، ليتكوّن بالتدريج رأي شيعي شعبي معادٍ للأميركيين، على الرغم من أن تدخّلهم في العراق أدّى، لأول مرّة ربما في التاريخ الحديث، إلى تحويل الشيعة إلى قوّة سياسية مؤثّرة، بل وحاكمة في العراق الجديد.
ولكن، وراء الأكمة ما وراءها، كما يُقال؛ فظاهر هذه القصّة يُغطّي، في الحقيقة، صراعاً داخلياً بين جناحين: أحدهما يريد العمل مع الأميركيين لإنشاء سلطة جديدة في العراق يكون للشيعة فيها حصّة الأسد، والجناح الثاني يتبنّى رؤية "معولمة" عن الهوية الشيعية، ويراها مترابطة في كلّ مكان، وليست محصورة بالعراق فحسب، وأن قلب هذه الشيعية "المعولمة" هو النظام الإسلامي في إيران. فإذا كان للشيعة في العراق أن يُنشئوا سلطة، فعليها أن تكون جزءاً أو جناحاً في إمبراطورية شيعية تتزعّمها إيران، لا أن يكونوا حلفاء لأميركا. وبالتالي؛ لا ينبغي لهم أن يكونوا ممتنّين لأميركا، حتى لو قدّمت مئات الضحايا من جنودها، وخسرت عشرات الملايين من الدولارات في سبيل تمكينهم من السلطة.
حسب هذه السردية "المعولمة" يمكن النظر إلى قرار الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بغزو العراق، لا بوصفه حدثاً أرضياً بشرياً واقعياً، وإنما جزءاً من "التوفيق الإلهي" الذي يضرب الله من خلاله "الظالمين بالظالمين"!.
فالفضل في النهاية ليس لبوش، وإنما لله الذي ساقه سوقاً لإسقاط نظام صدّام. والله صديقنا، نحن أبناء الإمبراطورية الشيعية المتخيّلة، وليس صديقاً لبوش ومن خلفه!
قرأنا في تلك الفترة كتاب الباحث الأميركي من أصل إيراني ولي نصر "صحوة الشيعة" الصادر في 2006، وعلى الرغم من دوامة الرعب اليومي الناتج عن الاحتراب الأهلي في وقتها، فإن أفكار نصر المتفائلة في كتابه كانت تخامر عقولنا؛ فلربما كان الأمر فعلاً مثلما يقول، وأن نجاح الشيعة العرب في العراق ببناء دولة ديمقراطية تستوعب المكوّنات الاجتماعية المختلفة، وتحقّق العدالة والتنمية، سيكون نبراساً هادياً لكل المجموعات الشيعية العربية في المنطقة، وأن سبيلهم، كما العراقيين، هو الاندماج مع دولهم الوطنية، لا اتباع أحلام إمبراطورية إيرانية، لم تجلب منذ 1979 على الشيعة العرب غير التخوين والاتهام، والإقصاء والشكوك والريبة.
لكن، من المثير أن ولي نصر نفسه أصيب بخيبة شديدة، وتراجع، في مقالاته الأخيرة، عن تفاؤله، وصار يشعر بأن الشيعة العراقيين "خرّبوا الحلم" بسبب الفساد المستشري، والإصرار على الالتحاق بالركب الإيراني، وإذا كان يرى دوراً فاعلاً لمرجعية النجف، المضادّة في توجهاتها لولاية الفقيه، لتكون القلب الروحي للتجربة السياسية الشيعية العربية في العراق، فإنه الآن يشعر بالامتنان لصمت المرجعية وانسحابها، وكفّها عن التعليق السياسي، ويرى ذلك أسلم لها ولمكانتها، وهو ما قد يشير إلى انحسار مساحة التأثير لمرجعية النجف.
من مشهد قريبي الذي يحمل قاذفة RPG على كتفه، إلى اليوم، تمّ تسميم الفضاء الشيعي العام من قبل الأحزاب الفاعلة ومليشياتها، بأفكار العزلة والريبة تجاه العالم الخارجي، وتغذية عقول أجيال كاملة بتصوّرات خيالية ومبالغ فيها عن الأعداء والأصدقاء. وهذا تراث متراكم من الريبة والعزلة لن يختفي بكبسة زرّ، وتحتاج السياسات الوطنية التي "قد" يديرها الشيعة في المستقبل مع غيرهم من العراقيين إلى جهد هائل لإزاحته، وتصحيح منظور الناس إلى الأشياء.
مدينة بغداد (تعبيرية/ مواقع التواصل)