كتب سفير أوكرانيا فوق العادة، والمفوض لدى جمهورية العراق، إيفان دوڤهانيتش، مقارنة بين مجزرة حلبجة وما قام به نظام صدام حسين ضد الكورد، وما يقوم به النظام الروسي في أوكرانيا، وما قام به خلال سنوات حكم بشار الأسد في روسيا.
وينشر "الجبال"، المقال كاملاً دون تصرّف:
بالنسبة للعراق، الذي عانى أهوال الحرب الكيميائية خلال الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، تكتسب مسألة حظر الأسلحة الكيميائية أهمية خاصة. فقد تضرر أكثر من 100 ألف من العسكريين والمدنيين الإيرانيين، وتوفي نحو 20 ألف شخص. وفي 16-17 آذار/مارس 1988، لقي 5 آلاف مدني كردي حتفهم خلال ساعات في مدينة حلبجة. وما بين 70 ألفاً و100 ألف من المحاربين القدامى ما زالوا بحاجة إلى رعاية طبية مستمرة بسبب مضاعفات مزمنة ناتجة عن الحروق الكيميائية. هذه المآسي دفعت العالم إلى إنشاء اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1993. وبالنسبة للعراق، فإن الالتزام بهذه الاتفاقية ليس مجرد قانون دولي مجرد، بل هو استذكار لمعاناته هو نفسه.
في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025، انعقدت الدورة الثلاثون لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي. وكانت النتيجة لافتة: إذ أُعيد انتخاب أوكرانيا مرة أخرى لعضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في حين حصلت روسيا على أدنى مستوى من الدعم، بـ51 صوتاً فقط. وهذا يمثل للعام الثالث على التوالي منع المجتمع الدولي للدولة المعتدية من الانضمام إلى الهيئة الحاكمة للمنظمة. فلماذا يواصل العالم رفضه منح موسكو ثقته؟
السيناريو السوري يتكرر في أوكرانيا
نتذكر جميعاً الصور المروعة من الغوطة في 21 آب/أغسطس 2013، حيث قُتل أكثر من 1400 مدني، بينهم 426 طفلاً. وخان شيخون عام 2017، ودوما عام 2018 — عشرات ومئات من الأرواح البريئة أُزهقت بفعل الأسلحة الكيميائية. وفي كل مرة، اتبعت موسكو الأسلوب نفسه: إنكار الواضح أولاً، ثم اتهام الضحايا بـ«الاستفزاز»، وعرقلة التحقيقات الدولية في مجلس الأمن الدولي، واختلاق عشرات الروايات الزائفة.
اليوم، يُستخدم هذا الأسلوب نفسه ضد أوكرانيا. فمن شباط/فبراير 2023 حتى كانون الثاني/يناير 2026، وثّقت وزارة الدفاع الأوكرانية 12,016 حالة لاستخدام روسيا ذخائر تحتوي على مواد كيميائية محظورة. وتستخدم القوات الروسية بشكل منهجي قنابل يدوية محشوة بغازات سامة من نوعي CS وCN، ويتم إيصالها بواسطة الطائرات المسيّرة. وتتمثل هذه التكتيكات الوحشية في «إخراج» المدافعين الأوكرانيين من الملاجئ باستخدام الذخائر الكيميائية، ثم استهدافهم بإطلاق نار مباشر.
وأكدت ثلاثة تقارير لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وشباط/فبراير، وحزيران/يونيو 2025) هذه الوقائع. وفي 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وقّعت 55 دولة طرفاً في الاتفاقية بياناً مشتركاً يدين أفعال روسيا. ومع ذلك، تواصل موسكو، كما فعلت في سوريا، إنكار ما لا يمكن إنكاره.
بصمة الكذب التي لا تتغير
لنتذكر إسقاط روسيا لطائرة الخطوط الجوية الماليزية الرحلة MH17 عام 2014، والذي أدى إلى مقتل 298 راكباً بريئاً، بينهم مواطنون من ماليزيا وإندونيسيا. كيف كان رد الروس؟ هل اعتذروا؟ اعترفوا بالذنب؟ أبدوا ندماً؟ لا. كذبت موسكو كعادتها. إن تطور التضليل الروسي مذهل في مدى سينيكيته: ففي اليوم الأول، ألقوا اللوم على القوات الأوكرانية؛ وفي اليوم التالي، اختلقوا قصة مستحيلة فيزيائياً عن مقاتلة أوكرانية؛ ولاحقاً، تحدثوا عن «استفزاز غربي». وقد أثبتت التحقيقات الدولية أن الطائرة أُسقطت بصاروخ من منظومة «بوك» روسية، ومع ذلك لا تزال موسكو تنكر مسؤوليتها.
وفي آذار/مارس 2018، استخدمت روسيا على الأراضي البريطانية عامل الأعصاب العسكري «نوفيتشوك» ضد سكريبال. وقدمت موسكو أكثر من 20 رواية مختلفة — من «أجهزة الاستخبارات البريطانية» إلى سياح «يعجبون ببرج الكاتدرائية». أسلحة كيميائية استُخدمت على أرض سلمية، ومع ذلك لم تكن هناك مساءلة، بل سيل لا ينتهي من الأكاذيب السينيكية.
وفي شباط/فبراير 2022، خلال الأيام الأولى من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، زعم جنرالات روس أن أوكرانيا تمتلك نوعاً محظوراً من «بعوض قتالي» يلدغ الروس فقط. كانت مثل هذه الأكاذيب صادمة آنذاك. أما اليوم فلم تعد كذلك — فقد اعتاد العالم على أن يكذب المسؤولون الروس منذ الكلمة الأولى.
دروس يجب ألا تُنسى
تحب روسيا الحديث عن مساعدتها للدول النامية. وبالفعل، نرى آثاراً لمثل هذه «المساعدة» في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. ويتذكر الجيل الأكبر الاحتلال السوفيتي لأفغانستان بين عامي 1979 و1989. فقد أعلنت موسكو آنذاك عن «مساعدة دولية»، بينما كانت في الوقت نفسه تستخدم الأسلحة الكيميائية ضد المجاهدين وتكذب بشكل روتيني وتنكر جرائم الحرب التي ارتكبتها. أكثر من مليون أفغاني قُتلوا — هذا هو ثمن تلك «المساعدة».
لقد كان الرمز العالمي لهذه المساعدة الروسية لفترة طويلة هو بندقية كلاشنيكوف الشهيرة، وهو اختراع يفخر به الروس كثيراً. وهذا مفهوم، لأن الدولة الروسية لم تقدّم للعالم لا تقنيات متقدمة ولا أفكاراً إنسانية، بل أدوات للموت فقط. ولكن لنتأمل: كم شخصاً قُتل في العراق وحده باستخدام الأسلحة الروسية؟ وكم عدد القتلى في أنحاء العالم؟ إن هذه الدولة تزرع الموت حقاً.
وفوق ذلك، فإن موسكو تكذب بشكل اعتيادي ومتواصل. ولو أمكن قياس حجم الأكاذيب إحصائياً، لكان من المؤكد أن روسيا ستكون أكبر منتج ومصدّر للأكاذيب السينيكية في العالم. ولم يتغير أسلوب التضليل الروسي منذ عقود: الإنكار، تحميل الضحايا المسؤولية، عرقلة التحقيقات، وخلق روايات زائفة. وقد رأى العالم ذلك في أفغانستان، ورآه في سوريا، ويراه في أوكرانيا، ورآه في بريطانيا مع قضية نوفيتشوك.
تحديات المستقبل
بعد أن مُنيت بهزيمة جديدة في انتخابات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية العام الماضي، لا شك في أن روسيا ستواصل محاولاتها للعودة إلى الهيئة الحاكمة للمنظمة. وطريقة عمل موسكو معروفة دائماً، ما يجعل من السهل التنبؤ بخطواتها. ففي صلب ذلك تكمن حملات تضليل كبيرة وصغيرة تهدف إلى تصوير أوكرانيا على أنها معتدٍ رهيب، وتصوير روسيا نفسها كضحية بريئة للعدوان الأوكراني.
ومع ذلك، من الموثّق أن أوكرانيا لا تمتلك أسلحة كيميائية ولا تخزن أي مواد كيميائية خطرة في أي شكل مُسلّح. وتشكل أحكام الاتفاقية جزءاً لا يتجزأ من العقيدة العسكرية الأوكرانية والتدريب الإلزامي لجميع أفراد قوات الأمن والدفاع. لكن روسيا ستواصل الكذب، لأنها تسعى بيأس إلى العودة لعضوية المجلس التنفيذي للمنظمة للفترة 2027-2029. ولهذا الغرض، تحوّل موسكو القانون الدولي بسهولة إلى مهزلة.
قبل 4600 عام، وعلى أرض بلاد ما بين النهرين، في ما يُعرف اليوم بالعراق، حذرت الحكمة السومرية قائلة: «قل كذبة ثم قل الحقيقة — فستُعد كذبة». ومن خلال كذبها المرضي، دمّرت روسيا الثقة في أي من تصريحاتها. واليوم يذكّرنا مثل عربي يقول: «حبل الكذب قصير» — وهذا الحبل القصير للكرملين أوشك على النفاد.
لقد دفع الشعب العراقي ثمناً فادحاً لكي يفهم العالم عدم جواز استخدام الأسلحة الكيميائية. وكانت مأساة حلبجة هي الشرارة التي أدت إلى إنشاء الاتفاقية. وتُظهر نتائج التصويت في لاهاي أن المجتمع الدولي يتذكر هذه الدروس. وعلى مدى ثلاث سنوات متتالية، لم تسمح الدول الأطراف في الاتفاقية لروسيا بالانضمام إلى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية — وهي إشارة قوية على انعدام الثقة بدولة تنتهك القانون الدولي بشكل منهجي. ومن الضروري الحفاظ على هذا التماسك وعدم السماح لموسكو بالعودة إلى قيادة المنظمة في الفترة 2027-2029. إن ضحايا حلبجة والغوطة والمدن الأوكرانية يجب ألا يكونوا قد ماتوا عبثاً. فحبل الكذب قصير بالفعل، والعالم يراه بوضوح.
(السفير الأوكراني)