هناك، ولا شكّ، الكثير من الأسباب المنطقية التي تدفع إلى الغضب تجاه سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما النبرة المتعالية، وسياسة التهديد والإملاءات والأوامر، التي تستحضر الوجه القبيح لهيمنة الدول العظمى على العالم. كما أنّها ترفع ورقة التوت عن اللغة الدبلوماسية التي لا تُحرج الحلفاء. وقد كتب كثيرون في هجاء ترامب ونقده وذمّه، ولكن، إن دقّقنا أكثر بما خلف الصورة؛ هل سنكتشف واقعاً جديداً ومعطيات مغايرة، انبثقت في وجوهنا فجأة ولم نكن نعرفها؟!
هل كنّا، ولا سيما نخبتنا السياسية الحاكمة، على ضلالة في تصوّرنا عن السيادة المنقوصة للعراق؟ وماذا عن هذه العين العوراء التي لا ترى إلا التأثير الأميركي وتتغاضى عن التأثير الإيراني العميق في الواقع العراقي، السياسي والأمني والاقتصادي؟
عملياً، سلبت العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على العراق عقب غزو الكويت في عام 1990 السيادةَ المالية، وصارت عائدات النفط العراقية خارج السيادة الوطنية العراقية، واستمرّ هذا الحال حتى مع مذكرة "النفط مقابل الغذاء" في أيار/مايو 1996، ثم جاء القرار الأممي بعد الاحتلال في عام 2003 لينقل الأموال العراقية من خانة العقوبات إلى الحماية من الدائنين، وهو الحال المستمر حتى وقتنا هذا.
وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، لم تؤسّس النخبة السياسية العراقية الجديدة لمسارٍ ينهي هذه الحال الشاذة، ويستعيد السيادة المالية والاقتصادية من الوصاية الأميركية، بل هي ارتاحت لهذا الوضع "المؤقت" وجعلته دائماً؛ فهو يرفع عنها الحرج تجاه مسؤوليتها في بناء نظام مصرفي قويّ ومنضبط، ويُعفيها من تطمين المخاوف الأميركية من استخدام المال العراقي لتمويل الإرهاب أو الجماعات المسلّحة أو خرق العقوبات الاقتصادية على إيران. كما أنّه يمنح مناهضي أميركا من الطبقة السياسية حجّة دائمة للشكوى والاحتجاج ضد أميركا التي تسلب السيادة الاقتصادية للعراق، فيمكن، مع هذه الحال، بيع الكلام المقاوم للجمهور، ثم العودة إلى الارتياح في حضن الوضع الشاذ الذي لا يريد أحدٌ تغييره.
لقد اطمأنّت النخبة السياسية الحاكمة إلى دوام الحالة المؤقتة، ومنها هذا التوازن القَلِق بين الضغطين الإيراني والأميركي داخل العراق، وتقسيم الأدوار في اختيار الحكومة ورئيسها مع كلّ دورة انتخابية؛ فإيران تختار وأميركا تمضي. ولم يشغل أحدٌ منهم باله بتحرير الإرادة الوطنية، ولم يخدش ضميرهم النقد والتعليقات الساخرة مع زياراتهم الدولية إلى طهران من أجل نيل المباركة، بحيث ذهب مرشّحان ساخنان لرئاسة الوزراء بعد انتخابات عام 2018 إلى مكتب الولي الفقيه لمعرفة أيّهما صاحب الحظّ الأوفر.
كان صدّام حسين يتصرّف خلال عقد التسعينيات مثل رئيس دولة كاملة السيادة، على الرغم من أنّه لم يكن يستطيع تحريك طائرة مدنية واحدة من مطار بغداد، وكانت طائرات المراقبة الدولية، والأميركية تحديداً، تمشّط سماء العراق كلّ يوم، من دون قدرة على القيام بأي ردّة فعل سوى الاحتجاج في وسائل الإعلام. وكان القرار الأممي يتحكّم بالمواد الاستهلاكية الداخلة إلى العراق، ويمنع تلك المصنّفة "ذات الاستخدام المزدوج"، والتي يُقصد بها المواد المدنية التي يمكن استثمارها في التصنيع العسكري. لم يكن النظام، في وقتها، قادراً على القيام بأي شيء سوى الاستسلام لقدره المرهون بقرارٍ أممي، أميركي تحديداً، يملك حرّية اتخاذ القرار بإنهاء النظام أو إبقائه. وهذا المصير المؤسف لأي دولة ذات سيادة كان من نتائج قرارات السلطة ومغامراتها.
ويبدو أنّ هذه العقلية مستمرّة، للأسف؛ فبدلاً من أن تنقل النخبة السياسية العراقية الحالة الشاذة والمؤقتة إلى وضعٍ دائم، كامل السيادة، أنفقت السنوات الثمينة بالبلاغة اللغوية ونبرة الخطابات والشعارات، واستعادت القاموس الصدّامي بالكامل، إلى درجة أن يصرّح زعيم سياسي "من دون وجع قلب" بأنّ العراقيين مستعدّون للجوع في سبيل "الكرامة" و"العزّة" و"الشموخ"، ولتذهب العقوبات الأميركية إلى الجحيم!
ما تفتقر إليه النخبة السياسية هو رؤية الواقع بعينين صحيحتين، وهي ميزة يتحلّى بها أي بائع خضار في السوق، يفهم أنّ المنطقة تغيّرت إلى الأبد بعد السابع من أكتوبر2023، وأنّ هناك واقعاً جديداً يجب التعامل معه بحكمة وذكاء من دون شعارات وهتافات، وإلا فلن يذهب أحدٌ سوانا إلى الجحيم.
تعبيرية