بينما يتنابز العراقيون بالشتائم، ويتبادلون التخوين والاتهام بالعمالة والتبعيّة، على طرفَي الموالاة والرفض لإيران، هناك أسئلة أكثر جدّيّةً وإلحاحاً يُفترض أن تُطرح في الفضاء العام، تتعلّق باحتمالات ما سينتهي إليه الوضع في إيران، وهو في كلّ الأحوال ليس مطمئناً، وانعكاس ذلك على الداخل العراقي.
هذا ما يجب أن تفكّر به الحكومة القادمة، وتتعامل مع نتائج الانهيار المحتمل لإيران بجديّةٍ، وبأعلى درجات التأهّب والاستعداد. لكن هذه الحكومة المنتظرة عالقة في تعسّر الولادة، بسبب الوضع الإيراني نفسه. فهناك من يتحدّث في الكواليس عن أنّ أقطاب الكتل الكبرى، والتيارات السياسية الشيعية تحديداً، ينتظرون إلى أين تتّجه البوصلة في الأحداث الإيرانية، حتى يحدّدوا الثقل المناسب لطرفٍ ضدّ آخر داخل تباين الآراء في "الإطار التنسيقي". فهل ينبغي اختيار رئيس وزراء "توافقي"، بمعنى أن تكون رجله الأولى في الطرف الإيراني والرجل الثانية في الطرف الأميركي، كما جرت العادة في الدورات الحكومية السابقة؟ أم يختارون شخصاً ذا ميول أميركية واضحة، بالاستفادة من غياب اليد الإيرانية الضاغطة على النخبة السياسية الشيعية، في حال لم ينجُ النظام من المواجهة الجديدة مع أميركا؟.
هناك تهديدات محتملة تتعلّق بملفّ الطاقة، في حال توقّف الغاز الإيراني وإمدادات الكهرباء القادمة من إيران لأيّ سببٍ كان، فضلاً عن احتمالات موجة نزوح وهجرة من إيران باتجاه العراق، إذا سقط النظام الإيراني وانزلقت البلاد هناك إلى الفوضى والاحتراب الأهلي.
وعلى الرغم من أنّ تقديراتٍ عديدة تشير إلى أنّ شبح الحرب وإسقاط النظام بضرباتٍ عسكريةٍ نوعية ما زال احتمالاً ضعيفاً، وأنّ الأميركيين قد يواصلون ما توقّفوا عنده في حرب الاثني عشر يوماً بضرباتٍ خاصّة وسريعة، وكذلك احتمالات التوصّل إلى اتفاق بين الطرفين بشأن الملفّات الثلاثة: النووي، والباليستي، والمليشيات في المنطقة؛ إلّا أنّ الاطمئنان إلى استنتاجٍ أو تحليلٍ ما، مهما بدا محكماً ومقنعاً، غير ممكن في هذه المرحلة، والحكمة توجب التعامل مع مختلف الخيارات الممكنة.
من الواضح أنّ أكثر البلدان تضرّراً من تضعضع الوضع الإيراني هو العراق، وهو وضعٌ مفارق، فالعراق أيضاً من أكثر البلدان تضرّراً من النظام نفسه. والحلّ المثالي للعراق هو أن تؤدّي هذه الأزمة، لا إلى سقوط النظام ودخول البلد في فوضى وصراعاتٍ أهلية، بل إلى أن يتخلّى النظام عن مواقفه المتشدّدة، ويسعى إلى إنجاز صفقةٍ مع المجتمع الدولي، وأن يتخلّى عن أذرعه المسلّحة في المنطقة، ومنها العراق.
في كلّ الأحوال، لن يعود النظام الإيراني كما كان بعد هذه الأزمة، فالبقاء في لحظة التوتّر الحالية من دون حسم لن يخدم النظام، بل سيضعفه أكثر. وهناك تقديرات تتحدّث عن فشل الحكومة الإيرانية قريباً في دفع رواتب الأجهزة الأمنية، ما سيعزّز الغضب وربما الانشقاقات.
إنّها لحظة تأجّلت بضع سنوات، بسبب تجنّب الحكومات الأميركية السابقة المواجهة الحادّة، وكذلك استفادة النظام من تهريب النفط في الخليج وتهريب العملة الصعبة عبر العراق. غير أنّ هذه المنافذ كلّها جُفِّفت خلال السنوات الأخيرة من ولاية بايدن، وزاد عليها الرئيس الأميركي الحالي إجراءات أكثر تشدّداً، وصلت إلى حدّ فرض ضرائب بنسبة 25 بالمئة على أيّ دولةٍ تتعامل اقتصادياً مع النظام الإيراني.
قد نشهد، بعيداً عن توقّعات الحسم السريع التي تملأ وسائل الإعلام هذه الأيام، موتاً طويلاً وبطيئاً للنظام الإيراني، مع تشديد الخناق والحصار الاقتصادي، أو ربما يفاجئنا صاحب القرار في إيران بالتوقيع على مطالب ترامب، وإنهاء حالة المواجهة في المنطقة الممتدّة منذ أكثر من أربعين عاماً.
لكن إيران لن تعود كما كانت، وستغيّر جلدها في كلّ السيناريوهات المحتملة؛ فهويّة النظام مستمدّة من قبضته الحديديّة على المجتمع الإيراني، وما إن تتراخى هذه القبضة، فإنّ المجتمع سيشرع في تغيير النظام تدريجياً وبشكلٍ آمن، أو عبر فوضى وصراعٍ داخليٍّ مرير.
وأمام هذا المشهد الساخن، يحتاج الفاعل السياسي العراقي إلى شعورٍ عالٍ بالمسؤولية الوطنية، للتفكير في تداعيات الانهيار الإيراني على الوضع العام في العراق، ومحاولة منع الآثار السلبية من التسلّل إلى الداخل العراقي الهشّ أصلاً.
تظاهرات إيران (مواقع التواصل)