ذاكرة الكورد

ذاكرة الكورد نزوح من حي الأشرفية في حلب (تعبيرية/ فرانس برس)

من المصادفات البحتة أنني أقمتُ عدّة سنوات في حيٍّ بتركيا ذي غالبية كردية وعلوية. انتبهتُ إلى هذه التفصيلة سريعاً من خلال تجاذب بعض الأحاديث مع أصحاب المحالّ التجارية أو الجيران. وكنتُ أعاين أجواء شهر محرّم، وتقديم الطعام في الشوارع بمناسبة استشهاد الإمام الحسين لدى العلويين، كما كنت أسمع الأغاني الكوردية في المحالّ التجارية. وحين تعمّقت علاقتي ببعضهم، انتبهتُ إلى مدى التمسّك الصلب بالهوية القومية والثقافية، بوصفها حقيقة اجتماعية غير قابلة للمحو أو التذويب.

 

وفي مناسبات ثقافية، تعرّفتُ إلى مستوى آخر من الشخصيات الكوردية/التركية. كانوا يتحدّثون التركية بطلاقة، ويعملون في مؤسسات الدولة، لكن ثمّة حاجزاً صلباً غير مرئي، حاضرٌ على الدوام، يحدّد ما هو تركي وما هو كردي. وربما كان هذا هو جوهر المعضلة؛ فأنا قادر على العمل معك، لكنني لن أكون نسخةً منك. سأبقى كردياً داخل الدولة التركية؛ فهذا ثِقل الذاكرة ومحتواها.

 

في كتابه الشهير "أمّة في شقاق"، يكتب الصحفي الأميركي جوناثان راندل جملةً تكاد تختصر قرناً كاملاً من الدراما الكوردية: "الأكراد أكبر أمة في العالم بلا دولة، لكنهم ليسوا بلا ذاكرة".

 

على مسرح هذه الذاكرة يدور صراعٌ من أجل الاعتراف، في مواجهة مشروع الدولة المركزية الإدماجية ذات الهوية الواحدة، الذي خضع له الشعب الكوردي مُكرهاً في أربعة بلدان رئيسة في الشرق الأوسط.

 

تتغيّر الأنظمة السياسية، وتعصف رياح التغيير بأسس عالمٍ نتج عن انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، لكن النظام المركزي الإدماجي يعيد، مرّةً بعد أخرى، إنتاج نفسه في المنطقة. وما المواجهات الدائرة اليوم في حلب سوى نموذج جديد لشكل صراعٍ مستمرّ منذ أكثر من قرن.

 

قاتل الكورد السوريون النظام البعثي الديكتاتوري، ومن الصعب إقناعهم اليوم بوجوب الخضوع لنظام سلطوي ديكتاتوري جديد، تتغيّر أدواته ويستبدل وجهه القومي العروبي بوجهٍ إسلامي سلفي، بينما تبقى أهدافه واحدة: تذويب المختلف، وإجباره على التخلّي عن خصوصياته الثقافية والقومية.

 

وكما تلخّص العديد من الدراسات المعنيّة بالشأن الكوردي، فإنّه حين يُغلق باب السياسة ينفتح تلقائياً باب السلاح. ويبدو أنّ الحلّ السياسي في سوريا وصل إلى بابٍ مسدود، فدخل السلاح، وشاهدنا، في توالٍ مؤسف ومتكرّر، بعد العلويات والدرزيات، نساءً كورديات يُعتدى عليهن بالضرب والإهانة من قبل أشخاص بهيئة الجماعات الإرهابية، على الرغم من ادّعاء الإعلام المؤيّد أنّهم جنود نظاميون في الجيش أو في القوات الأمنية السورية الرسمية.

 

إنّ ما يقضي على الانقسامات ليس مطالبة الكورد بالتخلّي عن رغبتهم في الحفاظ على خصوصيتهم القومية والثقافية، بل أن تتغيّر الفلسفة السياسية في "العاصمة". فمئة سنة أو أكثر من تجريب هذا الحلّ مع الكورد لم تُنتج إلا مزيداً من الانقسام، ومزيداً من شعورهم بالتهديد، ولا يمكن فرض هذا الحلّ الإدماجي اليوم وتوقّع نتيجة مختلفة.

 

إنّ شعار "الحكم الذاتي للكورد، والديمقراطية للعراق"، الذي رفعه الحزب الشيوعي العراقي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كان تلخيصاً مبكّراً للحلّ؛ إذ ثمة تلازم بين المطلبين. فلا يمكن للكورد أن يعيشوا في كيانهم الخاصّ باطمئنان من دون دولة ديمقراطية. وستبقى الدولة السلطوية المركزية تنظر إلى الجغرافيا الكوردية بوصفها جيوباً مناوئة يمكن أن تنقلب على المركز في أيّة لحظة. وبدلاً من أن يكون الكورد عنصراً فاعلاً داخل الدولة، وجزءاً من التنمية والتطوّر، يُدفعون إلى البحث عن مظلّات إقليمية أو دولية تمنحهم شعور الطمأنينة خارج حدود دولة لا تعترف بهم، أو تتعايش معهم بريبة وعدم ثقة.

 

حدود خطّ النار اليوم داخل أحياء حلب هي، في الحقيقة، حدود لكياناتٍ معنوية ورمزية أكبر؛ بين فكرة الدولة المركزية التي يقوم عليها النظام السياسي في معظم الشرق الأوسط، من حدود باكستان إلى شمال أفريقيا، وفكرة الاعتراف بالخصوصيات القومية والثقافية، ومحاولة إنتاج نموذج سياسي جديد قائم على الديمقراطية الحقّة، وحقوق الإنسان، والتعايش، والبناء على المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة. وللأسف، تتحرّك هذه الحدود يميناً وشمالاً، ولا يبدو أنّها ستنهار قريباً لتفتح باباً لعالمٍ جديد؛ فإلى جانب إرادات الفاعلين على الأرض، خلف متاريس النار، تقف إرادات دولية تنظر إلى مصالحها لا إلى مصالح الشعوب في بلداننا، وربما لا ترانا سوى بيادق صغيرة على رقعة شطرنج واسعة.


أحمد سعداوي كاتب وروائي

نُشرت في الجمعة 9 يناير 2026 10:14 م

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2026 الجبال. كل الحقوق محفوظة.