ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات.. كيف استفادت الأحزاب من فكرة التسويق الهرمي "الاحتيالي"؟

ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات.. كيف استفادت الأحزاب من فكرة التسويق الهرمي "الاحتيالي"؟ جهاز تحقق خاص بالناخبين/ أرشيفية

"6 قوى حصدت 72‎%  من الأصوات المضافة"

لا يهدأ النقاش حول نتائج الانتخابات السادسة في عمر النظام السياسي الجديد، ليس لأنها كانت صادمة وغير متوقعة، بل أن الكتل السياسية كانت تحدد عدد مقاعدها التي ستحصل عليها قبل خوض الانتخابات بأشهر، لكن بعد أن أصبحت الأرقام "صكًا مصدقًا" بيد القوى السياسية الكلاسيكية، أصبح انعكاسها على الشارع أقوى من الساحة السياسية، في مجال النقاش حول الأغلبية وتصاعد الجمهور، خصوصاً وأنه جاء بعد سقطة انتخابات 2021 التي خسرت فيها القوى الكلاسيكية ولاسيما القوى الشيعية الكبرى أكثر من 60 مقعداً من مقاعدها قبل أن تستقيل الكتلة الصدرية وتعيد القوى الشيعية التقاط المقاعد الـ70 التي تركها الصدر عبر صعود مرشحيهم الخاسرين.


لذلك كانت هذه الانتخابات انتخابات تحدي، ورهان على الشعبية والشرعية، لتأتي الانتخابات بنسبة مشاركة أعلى من 2021 وذلك بانضمام حوالي 2.5 مليون مصوّت جديدة إلى عدد الناخبين ما رفع نسبة المشاركة من 41% في 2021 إلى 56% في انتخابات 2025 بالرغم من مقاطعة أبرز تيار سياسي وشعبي والمتمثل بالتيار الصدري، التيار الوحيد الذي حصد لقب "التيار المليوني"، لكن رغم "مليونية التيار" إلا أن مقاطعته لم تؤثر على نسبة المشاركة، فعدد ناخبي التيار حوالي مليون شخص، جاء بدلًا منهم 2.5 مليون شخص جديد ليشاركوا بالانتخابات ويرفعوا نسبة المشاركة.


تبرز الأسئلة الكبرى عن الـ2.5 مليون شخص هؤلاء ومن أين أتوا؟ هل هم من الـ4 ملايين ناخب جديد من المواليد الجديدة الذين بلغوا السن القانوني ودخلوا ضمن قائمة من يحق لهم التصويت، أم جاؤوا من الـ12 مليون شخصا الذين كانوا مقاطعين في انتخابات 2021؟ فالأصوات الجديدة المضافة تمثل 62‎%‎   من الناخبين الذين يشاركون لأول مرة من المواليد الجدد، لكن ليس بالضرورة أن 62‎%‎ من الناخبين الجدد شاركوا بالفعل، بل ربما بعض الأصوات جاءت من مقاطعين سابقين بالغين.


حققت كتلة بدر وحركة صادقون مجتمعتين أعلى قفزة بعدد الأصوات، وتتم المقارنة لهذه الكتلتين مجتمعتين، لأنهما كانتا في انتخابات 2021 في تحالف واحد يسمى تحالف الفتح، ولا توجد إمكانية لمعرفة عدد أصوات كل كتلة منهما منفردة، وعموماً بلغ مجموع أصوات بدر و"صادقون" في انتخابات 2021 حوالي 1.3 مليون صوت، توزعت بواقع 745 ألف صوت لـ"صادقون"، و551 ألف صوت لبدر، بينما كان مجموع أصوات بدر وصادقون في تحالف الفتح عام 2021، قد بلغت 462 ألف صوت فقط، ما يعني أن نسبة زيادة أصوات التحالفين بلغ 180% مقارنة بـ2021.


على صعيد الحزب الواحد، كان حزب "تقدم" في صدارة الكتل بزيادة عدد الأصوات، حيث حصل تقدم على 945 ألف صوت، مقارنة بـ637 ألف صوت في انتخابات 2021، بزيادة بلغت نسبتها 48%، ثم بعد تقدم تأتي دولة القانون التي حصلت على 727 ألف صوت مقارنة بـ502 ألف صوت في 2021، بنسبة زيادة بلغت 44%، يليها تحالف قوى الدولة حصل على 512 ألف صوت، بعد أن كان عدد أصواته قد بلغ 360 الف صوت فقط في 2021، وبنسبة زيادة بلغت 42%، اما الحزب الديمقراطي الكوردستاني فبلغ عدد أصواته 1.1 مليون مقارنة بـ781 ألف صوت في انتخابات 2021، وبنسبة زيادة بلغت 40%.


وعموماً، حصدت هذه الأحزاب الستة الكبرى 1.8 مليون صوت جديد من إجمالي الـ2.5 مليون صوت الإضافي الذي ارتفع في هذه الانتخابات عن انتخابات 2021، أي أن هذه الأحزاب الستة لوحدها حصدت 72% من الأصوات الجديدة الإضافية لنسبة المشاركة الكلية. 


ارتفاع الأصوات.. لا تعني زيادة الشعبية


كان ارتفاع عدد أصوات الكتل السياسية الكلاسيكية الكبرى مقارنة بـ2021، هي إحدى أكبر المسائل إثارة للانتباه والجدل، فهي ليست أرقاماً ستترجم إلى مقاعد وأوزان سياسية فحسب، بل بمثابة إجابة صارخة ضد من يصف القوى السياسية الكلاسيكية ولا سيما قوى السلاح والإطار التنسيقي بأنها "أقليّة" وإن شعبيتها في تراجع مستمر، لكن عند ذكر أن هناك 2.5 مليون ناخب جديد، ستكون الإجابة واضحة، فمن الطبيعي أن هذا الرقم الضخم من المصوتين الجدد، ستتوزع أصواتهم على جميع الكتل السياسية، لذلك ليس قوى الإطار فحسب، فجميع القوى السياسية على الإطلاق ارتفع عدد أصواتهم بشكل أو بآخر، لكن على صعيد المرشحين هناك الكثير من الفائزين السابقين انخفضت أصواتهم، لأنها توزعت على مرشحين آخرين وتشتت في قوائم عديدة.


لكن حتى ارتفاع نسبة المشاركة والتحاق نحو 2.5 مليون ناخب جديد بالعملية الانتخابية، وذهاب اكثر من 70% من هذه الاصوات الى القوى الكلاسيكية الكبرى، قد يُقرأ على انه نجاح لهذه القوى التي جذبت المزيد من الناخبين نحوها، لذلك يجب فهم لماذا التحق نحو 2.5 مليون ناخب جديد بالعملية الانتخابية بعد سنوات من القول إن هذه الاحزاب جماهيرها "ثابتة"، ولتفكيك أسباب زيادة عدد الناخبين وبالتالي زيادة أصوات هذه الكتل يجب فهم الأرقام أولًا ثم سلوك الناخب ثانياً.

 

جرت الانتخابات الحالية بقانون انتخابي جديد ويختلف عن قانون 2021، فهو يتبع نظام سانت ليغو والقائمة المغلقة، لذلك لم يعد المرشح الفائز هو من يحصد أعلى الأصوات في دائرته الانتخابية، بل الفوز أولًا للقائمة التي تحصد أعلى الأصوات، لذلك فإن أي صوت يناله أي مرشح داخل قائمة، ستذهب أصواته في رصيد القائمة ذاتها، لذلك حرصت القوى السياسية على النزول بمئات المرشحين خلافاً لانتخابات 2021 التي فرض التكتيك الانتخابي وفق قانونها أن تنزل الكتل السياسية بأقل عدد من المرشحين، أو وضع مرشح واحد في كل دائرة ضمن 83 دائرة في عموم العراق، وذلك لكي تجتمع أصوات جميع أنصار هذه الكتلة نحو مرشحها الوحيد ومنع تشتتها، ما يمنحه فرص فوز أعلى.


أما في الانتخابات الحالية، فكلما رفعت الكتلة عدد مرشحيها ستكون رابحة أكثر، فأي صوت يحصده أي مرشح منها سيوضع في سلتها في النهاية، ووفقاً لقانون الانتخابات يتاح لكل كتلة سياسية أن ترشح مرشحين يعادلون ضعف عدد المقاعد المخصصة في الدائرة الانتخابية، ففي بغداد مثلًا هناك 69 مقعداً، لذلك يحق لكل كتلة مرشحة في بغداد أن تنزل إلى الانتخابات بـ138 مرشحاً، وهكذا في بقية المحافظات التي تعتبر كل محافظة دائرة انتخابية واحدة.


على سبيل المثال، يبلغ مجموع عدد المقاعد في المحافظات الوسطى والجنوبية التي ينشط فيها جماهير القوى الشيعية أكثر من 200 مقعد، لذلك نزلت معظم القوى الشيعية بمرشحين في دوائرها الانتخابية بلغ عددهم أكثر من 400 مرشح، إذ أن دولة القانون وتحالف قوى الدولة وكتلة صادقون وبدر نزلوا بأكثر من 400 مرشح لكل منهم، بينما في 2021 نزلت دولة القانون بـ71 مرشحاً  فقط، والفتح (صادقون+بدر) بـ73 مرشحا حينها، بينما نزلت صادقون وبدر الآن بأكثر من 800 مرشح لكليهما، أما قوى الدولة فنزلت بـ142 مرشحاً في 2021 والآن بأكثر من 400 مرشح.


وبنفس الطريقة، يبلغ عدد مناطق والمحافظات التي يتنافس عليها الكورد 90 مقعداً، لذلك فإنها نزلت بحوالي 180 مرشحاً لكل كتلة، بينما نزل الديمقراطي الكوردستاني في 2021 بـ51 مرشحاً فقط، أما عدد مقاعد السنة في المناطق التي يتنافس عليها يبلغ حوالي 160 مقعداً لذلك عدد مرشحي كل كتلة سنية يبلغ حوالي أكثر من 300 مرشح، بينما نزلت تقدم في 2021 بـ160 مرشحاً فقط.


زيادة عدد المرشحين لكل كتلة، سبب رئيس في زيادة عدد أصواتها، فكل مرشح لديه أقارب وأصدقاء ومعارف وجمهور في محيطه، ما عدا الأصوات التي عملت الماكنة الانتخابية لكل مرشح على حصدها بالوعود أو بالأموال، وهذا كله جعل الكثير من المقاطعين يشاركون بالتصويت لصالح المرشح الذين يعرفونه، وبالغالب هو مرشح جديد يشارك لأول مرة، خصوصاً وأن الناخب العراقي البسيط غالباً يتعامل مع "الوجه الجديد" باعتبارها فرصة أمل لـ"تغيير الوجوه"، دون أن يعلم أو يتجاهل أن أصواته لن تذهب إلى الوجه الجديد بالضرورة بل ستصب أصواته في سلة الكتلة السياسية التي رشح من خلالها هذا المرشح الذين يعرفونه.


وللمثال أيضاً، حصدت كتلة صادقون وبدر مجتمعة 1.3 مليون صوت في الانتخابات الحالية من خلال 800 مرشح، بينما حصدت في 2021 على حوالي 462 ألف صوت من خلال 73 مرشحاً فقط، هذا يعني أن المرشح الواحد في 2021 جلب حوالي أكثر من 6300 صوت كمعدل، لذلك عندما أضافت كلا الكتلتين أكثر من 720 مرشحاً جديداً، حصدت أكثر من 830 ألف صوت إضافي من خلال هؤلاء المرشحين، هذا يعني أن كل مرشح من هؤلاء المرشحين الجدد لو استطاعوا جلب ألف صوت فقط لكل منهم ونقلها إلى سلة القائمة الرئيسية، سيضيفون أكثر من 830 ألف صوت إلى الأصوات التي حصل عليها الفتح في 2021.


وبهذا يصبح من الطبيعي ارتفاع الاصوات إلى هذا الحجم، والسبب بزيادة عدد المرشحين الذين تحولوا إلى أشبه بـ"الشبكات العنكبوتية" أو ما يعرف بعالم "التسويق الهرمي" الذي ينتعش مؤخراً كقطاع أعمال احتيالي، والذي يسحب المزيد من الأقارب والمعارف للاشتراك بالعملية التسويقية أو "التصويتية"، وبالتالي زيادة نسبة المشاركة وزيادة أصوات كل كتلة، بالضبط كما يحصل في "التسويق الهرمي" الذي يشترك فيه الأصدقاء والمعارف والأقارب ثقة بقائد الشبكة من أقاربهم ومعارفهم، وليس بصاحب الشركة أو الشركة التي تمثل "الكتلة السياسية" في هذا المثال.


علي الأعرجي صحفي عراقي

نُشرت في الأربعاء 19 نوفمبر 2025 12:00 م

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2026 الجبال. كل الحقوق محفوظة.