رغم تشكيل مجلس الحكماء العشائرية و"وثيقة العهد العشائرية" والتي تمت في نهاية 2024 والمدعومة من الحكومتين المحلية والمركزية، إلا أن آمال المواطنين في إنهاء النزاعات العشائرية لم تتحقق بعد، فما تزال الخلافات تتقد، لتسفر عن إزهاق الأرواح وإصابة آخرين، في مشهد أربك حياة الناس اليومية وزاد من معاناتهم.
حالة الاستياء الشعبي تصاعدت مع استمرار مسلسل النزاعات الدامية، حتى اضطرت الحكومة المحلية إلى المطالبة بإرسال قوات أمنية إضافية لاحتواء الموقف، وسط تساؤلات عن جدوى تلك المبادرات العشائرية في إرساء السلم الأهلي.
وكشفت مصادر أمنية لمنصة "الجبال" عن تسجيل ما يقارب 180 حالة نزاع ومشاجرة مسلحة منذ مطلع عام 2025 حتى اليوم، خلفت إصابات متفاوتة بين أطرافها، ما يعكس خطورة تصاعد النزاعات العشائرية في البلاد.
"مبادرات سابقة"
وفي محاولة للحد من هذه الظاهرة أعلنت مديرية شؤون العشائر التابعة لوزارة الداخلية في تموز 2024 عن إطلاق "وثيقة العهد العشائرية" التي تضمنت سبعة بنود رئيسة أكدت على احترام الثوابت الشرعية وتطبيقها في المحافل العشائرية وصون مبادئ حقوق الإنسان بما ينسجم مع تعاليم الدين الحنيف كما شددت الوثيقة على ضرورة فرض سلطة القانون وهيبة الدولة عبر دعم ومساندة الأجهزة الأمنية في أداء مهامها.
الوثيقة تطرقت أيضاً إلى الالتزام بالعادات والتقاليد الأصيلة، ومنع الابتزاز الإلكتروني بكل أشكاله إلى جانب دعم جهود الحكومة في مكافحة المخدرات والاتجار بها، فضلاً عن رفض التهجير القسري ومواجهة كل من يمارسه أو يروج له.
وفي السياق ذاته، أعلن رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى ادعير، في تشرين الثاني 2024 عن تشكيل لجنة من حكماء العشائر لفض النزاعات العالقة بارتباط مباشر مع المجلس والقيادات الأمنية في المحافظة، وتهدف هذه اللجنة إلى تفعيل دور العشائر في إرساء السلم الأهلي والحد من تفاقم الخلافات التي أزهقت أرواح العديد من الأبرياء مؤخراً.
وبحسب ادعير فإن اللجنة تضم نخبة من وجهاء القوم وتتولى بالتعاون مع المجلس مهمة البت في النزاعات عشائرياً بالتوازي مع المسار القانوني، في محاولة جادة لاحتواء الأزمات المتكررة التي لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على استقرار المحافظة.
تتركز النزاعات العشائرية في العادة في مناطق جنوب المحافظة نتيجةً لتركيبتها السكانية المعقدة، فيما تبدو المناطق الشمالية ومركز المحافظة أكثر استقراراً وأمناً مقارنة ببقية الأقضية.
"انخفاض ملحوظ"
وكشف عضو مجلس محافظة ذي قار حسين المرياني، أن الإجراءات الأمنية الأخيرة التي اتخذها مجلس المحافظة، إلى جانب تعزيز انتشار القوات الأمنية في ميسان، أسهمت بشكل واضح في خفض حدة النزاعات العشائرية بنسبة تقارب 60%.
وقال المرياني في تصريح خص به منصة "الجبال" إنه "على رغم من الانخفاض الملحوظ في معدلات النزاعات، ما زالت بعض الاشتباكات تقع بين العشائر، وغالباً ما تكون دوافعها ذات أبعاد جنائية أو مطالبات شخصية"، مؤكداً الحاجة إلى استمرار الجهود الأمنية والاجتماعية في معالجة جذور هذه الظاهرة".
وأشار المرياني إلى أن وزير الداخلية عبد الأمير الشمري زار المحافظة اليوم السبت "في خطوة تهدف إلى مناقشة الواقع الأمني والمساهمة في ترسيخ الاستقرار داخل ميسان، عبر دعم الأجهزة الأمنية والتنسيق مع السلطات المحلية".
وقال الشمري في تصريح صحفي خلال تواجده في المحافظة، اليوم: "ميسان يجب أن تنعم بالأمن والأمان، وأن تبقى بيئة آمنة لمواطينها وزائريها"، مضيفاً أن "أمن ميسان واجب جماعي يشترك فيه الجميع من مؤسسات وفعاليات اجتماعية وعشائرية وإعلامية".
تأتي هذه التطورات، في ظل استمرار العمل على إرساء السلم الأهلي والحد من النزاعات العشائرية التي شكلت تحدياً بارزاً للاستقرار المجتمعي في المحافظة خلال السنوات الأخيرة.
"خطة شاملة"
وأعلنت قيادة شرطة محافظة ميسان، قبل أيام، عن تنفيذ سلسلة عمليات أمنية استباقية، في الثامن عشر من آب الحالي، أسفرت عن إلقاء القبض على 94 متهماً ومطلوباً بتهم جنائية وقانونية مختلفة.
وأكدت القيادة أن العمليات شملت مناطق متعددة من المحافظة، وتمكنت من خلالها ضبط 35 قطعة سلاح متنوعة، فضلاً عن أجهزة اتصال عسكرية متطورة ونواظير ليلية كانت بحوزة بعض المتهمين.
وأوضحت شرطة ميسان أن هذه الإجراءات الأمنية تأتي ضمن خطة شاملة لتعزيز الاستقرار وملاحقة المطلوبين للعدالة، مؤكدة "استمرار الحملات الميدانية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخرى للقضاء على مظاهر الجريمة وحماية أرواح المواطنين". كما تم القبض على قبل يومين على متهم مطلوب وفق المادة 4/إرهاب، بعد تورطه في إحراق منزل أحد المواطنين وافتعال ما يُعرف بـ"الدكة العشائرية" مقابل مبالغ مالية.
وشهد شهر تموز 2025 مقتل النقيب في الشرطة الاتحادية مروان سلمان، أثناء مشاركته مع قوة أمنية في محاولة لفض نزاع عشائري، ليفقد حياته في مشهد يعكس خطورة هذه النزاعات وتداعياتها على القوات الأمنية والمجتمع.
ورغم كل المبادرات العشائرية والتحركات الأمنية، ما تزال ميسان مسرحاُ لصراع لم يُحسم بعد بين العشائر لأسباب جنائية، وبين دعوات المواطنين للسلام ومساعي الدولة لفرض القانون. ما زال الاستقرار هو الهدف المنشود الذي يبحث عنه المواطن الميساني.