تقول مؤشّرات عديدة، إنّ الأسابيع المقبلة ستكون صعبة، وربما سيئة على العراق، ما لم تتصرّف النخب الحاكمة بقدر عالٍ من المسؤولية، فالمسألة لا تتعلّق بصراعات سياسية داخلية، ولا بتنافس حزبي، ولا باختلاق قضايا تؤثّر في الرأي العام لغايات انتخابية، بل بالمسؤولية الجماعية في منع انجرار العراق إلى هوّة الموجة الجديدة من الصراع الإقليمي، وتحديداً احتمالات اندلاع مواجهة بين إيران وإسرائيل.
أبرز هذه المؤشرات، الانسحاب السريع للقوات الأميركية من قاعدتي عين الأسد في الأنبار و"فيكتوريا" قرب مطار بغداد، خارج الجدول الزمني المتفق عليه بين بغداد وواشنطن. ومن المرجّح أن يحدث انسحاب مماثل من قاعدة "حرير" في أربيل، غير أنّ أي تحرّك من هذا النوع لم يُسجَّل حتى الآن. بعض التقارير الأميركية تصف ما سيجري في أربيل بأنّه "إعادة تموضع" أكثر من كونه انسحاباً.
وتشير تلك التقارير إلى أنّ ما يُسمّى "الانسحاب الأميركي" يهدف إلى جعل القدرات العسكرية الأميركية أكثر كفاءة ومرونة، وتجنّب تعرّض الجنود لهجمات الميليشيات الموالية لإيران، في حال تجدّدت المواجهة مع إسرائيل. وتضيف أنّ زيارة علي لاريجاني الأخيرة إلى العراق كانت، في أحد أهدافها، لتوجيه تعليمات محدّدة إلى الميليشيات بضرورة الاستعداد للمشاركة في المواجهة المقبلة.
مؤشّر آخر يتمثل في تفعيل الأوروبيين آلية "سناب-باك" لإعادة فرض العقوبات على إيران، وهو ما يعيد الملف النووي الإيراني إلى نقطة الصفر، ويزيد الضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات.
أما المؤشّر الثالث، فهو التوقّعات المتزايدة بأن يوجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضربة عسكرية جديدة إلى أهداف داخل إيران قبيل أو أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة (23–27 و29 أيلول/سبتمبر 2025)، في محاولة لقطع الطريق أمام فرنسا وبريطانيا اللتين أعلنتا عزمهما الانضمام إلى المسار الأوروبي المتنامي للاعتراف بالدولة الفلسطينية. ورغم أن مثل هذا العدوان، إن وقع، لن يضيف أهدافاً عسكرية جديدة، إلا أنّه مغامرة سياسية واردة الحدوث.
وفي هذه الأجواء الملبّدة بغيوم الصراع، يشهد الفضاء السياسي العراقي، إلى جانب التحركات الحكومية الحذرة، سخونة متزايدة، إمّا استثماراً في مخرجات المواجهة الإقليمية المحتملة، أو تعميقاً لفقدان ما تبقّى من شرعية النظام السياسي في أعين المواطنين.
فعلى الرغم من الجدل الواسع الذي أثاره نشر قائمة السفراء الجدد، حيث جاءت معظم الأسماء إمّا بلا كفاءة أو من أقارب زعامات حزبية وسياسية، مضى البرلمان في المصادقة على هذه القائمة، موجهاً رسالة واضحة إلى المجتمع العراقي مفادها أنّ المناصب العليا مكافآت حزبية وليست مواقع لخدمة الدولة، وأنّ المواطن العادي، خارج دوائر المحاصصة الطائفية والحزبية، لا يملك الحق في أن يحلم بمنصب يتناسب مع كفاءته وسيرته المهنية.
كذلك أحدثت مفوضية الانتخابات صدمة كبيرة بعد أن أقصت أكثر من 600 مرشح من خوض انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر المقبلة، لأسباب مختلفة. أكثرها إثارة الجدل هو إقصاء شخصيات معارضة للأحزاب الإسلامية، لا بسبب تهم قانونية واضحة، بل لمجرّد انتقادها لسلطة هذه الأحزاب. هذا القرار انعكس مباشرة على حماسة الأقلية من الناخبين الراغبين في التصويت لتغيير البرلمان الحالي، وأوحى بأنّ أحزاب السلطة تريد تضييق الخناق على أي فرصة لتغيير الوجوه أو موازين القوى.
في المحصلة، يبقى القرار "الوطني" بشأن الموقف من الصراع الإقليمي ومدى تورّط العراق فيه غير واضح، فيما الجبهة الداخلية ضعيفة ومفكّكة. ويتحرّك الرأي العام داخل دائرة قلق محكومة بمعطيين أساسيين: الأول هو الخوف من أخطاء قد تفضي إلى انهيار اقتصادي مرتبط حصراً بتدفّق النفط وبالحماية الأميركية لعائداته المالية، والثاني هو شعور متزايد بأن النظام السياسي هشّ ومنقوص الشرعية، وأنّ أي أفق لإصلاحه في المدى القريب يبدو معدوماً.