ما تزال الضبابية تخيّم على مستقبل العراق المالي، وسط مخاوف من ارتدادات الأحداث الدولية، على اقتصاد البلاد، التي تعتمد على النفط مورداً رئيساً في تمويل الموازنة، حيث يعرب مراقبون ومتخصصون، عن قلقهم، من أن يؤثر انخفاض أسعار النفط عالمياً، على تحقيق التوازن المالي في العراق، مع توقعات باستمرار تعرض اقتصاد البلاد للعجز المالي، بسبب تضخّم الإنفاق، ولا سيّما رواتب الموظفين والمتقاعدين والدعم الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أوضح المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس حكومة تصريف الأعمال مظهر محمد صالح، أنه "تتمحور أولويات العراق المالية في عام 2026 حول مسارين متوازيين ومتكاملين، المسار الأول: الالتزام بالإطار القانوني المباشر لتطبيقات قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019 المعدّل، من خلال اعتماد الصرف بنسبة (1/12) من المصروفات الجارية الفعلية المتحققة في عام 2025، ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان استمرارية تسيير الحياة المالية والاقتصادية للدولة، إلى حين اكتمال المسار الدستوري والتشريعي لتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية وإقرار الموازنة العامة".
وبيّن في تصريح لمنصّة "الجبال"، أن "المسار الثاني: هو المباشرة بإعداد مسودة قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2026، والتي يُتوقّع أن تتجه نحو بناء أكثر صلابة لمبادئ الاستدامة المالية، عبر اعتماد آليات ما يعرف(بالتعزيز المالي)".
وأضاف، أنه "هناك آليات واضحة ذات اتجاهين رئيسيين: الأول خفض العجز السنوي من خلال تعظيم الإيرادات غير النفطية، وإعادة فحص بنود الإنفاق وإعادة هيكلتها وفق معايير انضباط مالي عالية، مع توسيع نطاق البرامج الحكومية، وربطها بآليات متابعة دقيقة تقيس التنفيذ وتحقيق الأهداف".
وتابع أن "الاتجاه الثاني، هو خفض رصيد الدين العام، ولا سيما الداخلي، عبر تبنّي أساليب مبتكرة لتحويل الدين أو مبادلته بأصول منتجة ضمن حيازة النظام المصرفي الحكومي حصراً، بما يسهم في تنويع هيكل الاقتصاد الوطني، ورفع معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي وبما ينسجم مع مبادئ وأهداف خطة التنمية الوطنية 2024–2028".
وختم المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس حكومة تصريف الأعمال، حديثه بالقول إن "عام 2026 يشكّل فرصة حاسمة لإعادة ضبط المسار المالي للعراق، عبر الجمع بين الانضباط القانوني المؤقت، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، وعلى نحو يحوّل الاستقرار المالي من إجراء اضطراري إلى مسار تنموي مستدام".
من جهته رأى رئيس مرصد "إيكو عراق" علي ناجي، أن "يدخل الاقتصاد العراقي عام 2026، وهو ما يزال يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، مقابل ضعف واضح في القطاعات الإنتاجية غير النفطية".
وبيّن ناجي في حديث لمنصّة "الجبال"، أن "الموازنة العامة لعام 2026 ستبقى رهينة سعر النفط العالمي، ونعتقد أن خام برنت لن يتجاوز 70 دولاراً حتى في حال حدوث اضطرابات جيوسياسية"، مضيفاً: "لكننا نرجح أن يتراوح سعر البرميل بين 58 و65 دولاراً، وهذه مشكلة كبيرة للعراق الذي يحتاج إلى سعر 82 دولاراً لتحقيق التوازن المالي".
وأضاف، أن "اقتصاد العراق سيظل معرضاً للعجز المالي بسبب تضخم الإنفاق الجاري، ولا سيما الرواتب والتقاعد والدعم الاجتماعي، مقابل محدودية الاستثمار الحقيقي المنتج".
وأشار إلى، أن "العراق سيحقق نمواً اقتصادياً كما حصل في عام 2025، إلا أنه يوصف بنمو هش، لأنه لا يخلق فرص عمل كافية ولا يعالج الاختلالات الهيكلية، مثل البطالة المرتفعة بين الشباب، وضعف القطاع الخاص، وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي".
كما أشار ناجي إلى، أن "الاقتصاد غير النفطي ما زال يعاني من بيئة أعمال معقدة، وبيروقراطية، وغياب تشريعات محفزة للاستثمار".
وبخصوص الاستقرار النقدي، أوضح مدير "إيكو عراق"، أنه "من المرجح أن يحافظ العراق على معدلات تضخم معتدلة نسبياً خلال عام 2026، في حال استمر البنك المركزي بسياساته الحالية وضبط سوق العملة".
وأضاف، أن "أي ضغط على الاحتياطي الأجنبي أو اضطراب في الإيرادات النفطية قد ينعكس سريعاً على سعر الصرف والأسعار المحلية، وهو ما يجعل الاستقرار النقدي مرتبطاً بشكل مباشر بالوضع المالي والنفطي".
وأكد رئيس "مرصد إيكو عراق"، أن "التحدي الأكبر في عام 2026 يكمن في غياب إصلاحات اقتصادية جذرية، فالعراق بحاجة إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام".
وأضاف: "كذلك تنشيط النظام المصرفي، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتقليل الاعتماد على الدولة كمشغّل رئيسي".
وأوضح، أنه "من دون هذه الإصلاحات، سيبقى الاقتصاد العراقي يدور في حلقة مفرغة تتضمن وفرة مؤقتة عند ارتفاع أسعار النفط، وأزمة مالية عند انخفاضه".
في المقابل قال رئيس مؤسسة "عراق المستقبل" منار العبيدي، لـ"الجبال"، إن "هناك أموراً إيجابية على المستوى المالي بالنسبة للعراق خلال سنة 2026، فالعراق مازال يملك احتياطياً كبيراً في البنك المركزي والسياسة النقدية جيدة، وهناك سيطرة واضحة على الاحتياطيات المختلفة وكذلك العملة النقدية وتحسن النظام المصرفي بشكل عام في العراق".
وبيّن العبيدي، أنه "على المستوى الاقتصادي، ما زال العراق معتمداً على إيرادات النفط، والكل يرى الأحداث المختلفة في العالم، والتي بعضها قد تدفع نحو ارتفاع الأسعار عالمياً وبعضها قد تدفع نحو الانخفاض، وربط العراق بالتغيرات والتحولات الخارجية، هو أكبر ما يواجه خلال السنة الحالية 2026 أو السنوات القادمة".
وأضاف، أن "تقليل النفقات سيكون جزء أساسي من محاولة السيطرة على ارتفاع نسبة النمو في النفقات، لمنع الوصول إلى مرحلة عدم القدرة على تغطيات تلك النفقات من الإيرادات، كما أن زيادة نسبة الإيرادات غير النفطية يعتبر من أبرز التحديات المالية والاقتصادية التي سيواجهها العراق خلال سنة 2026".
أموال عراقية (أرشيف)