رواتب بالملايين دون إنجاز.. أكثر من ثلث النواب "فضائيين" أدوا القسم ولم يحضروا جلسة للبرلمان!

10 قراءة دقيقة
رواتب بالملايين دون إنجاز.. أكثر من ثلث النواب "فضائيين" أدوا القسم ولم يحضروا جلسة للبرلمان! تعبيرية

لم يقتصر مصطلح "الفضائيين" على المؤسسات الحكومية الصغيرة في العراق، بل تعدى ذلك ووصل إلى قلب السلطة التشريعية التي يُفترض إنها مُنتخبة من قٍبل الشعب، إذ أن 138 عضواً في مجلس النواب من 329 أدوا اليمين الدستورية ولم يحضروا جلسات البرلمان بعد!.

 

"الفضائيون" أو المتغيبين عن تأدية واجباتهم أثروا بشكل كبير على عمل البرلمان، إذ اختلت عشرات الجلسات وتعطلت الكثير من القنوانين بسبب غياباتهم المتكررة، لكن "الغموض" ما يزال يهمين على ذلك الملف، إذ لم تتحرك رئاسة البرلمان لغاية الان لمحاسبة النواب المتغيبين ورواتهبم تصلهم جاهزة من دون عقوبة او غرامة.

 

ويقصد بتسمية "الفضائيين" في العراق، فئتان، الأولى البطالة المقنعة في مؤسسات الدولة، وهم الأشخاص الذين يتسلمون رواتب من مؤسسات رسمية عدة، لكنهم لا يحضرون الدوام الرسمي ولا يقومون بواجباتهم، والثانية لأشخاص لا وجود لهم على أرض الواقع، وإنما عبارة عن أسماء وهمية ثُبّتت في سجلات صرف المستحقات الشهرية، لكن ما يحصل في البرلمان يمثل الفئة الأولى.

 

ويضم مجلس النواب 329 عضواً، وبحسب النظام الداخلي للبرلمان، فإن حضور الجلسات واجب وطني ووظيفي، إلا أن غالبية الجلسات التي يشهدها المجلس البرلمان لم يصل الحضور فيها إلى 300 عضو.

 

وتقف رئاسة البرلمان مكتوفة الأيدي من دون اتخاذ إجراءات قانونية، بالرغم من كونها مخوّلة بتنبيه النائب الغائب ثم تحذيره ثم معاقبته، وصولاً إلى إسقاط عضويته إذا تطلب الأمر.

 

جردّة لجانب من غيابات النواب

 

وبجردة متفاوتة أجرتها منصة "الجبال" فإن عدد حضور اعضاء مجلس النواب في الجلسة الرابعة بتاريخ 2023/7/20 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية من الدورة الانتخابية الخامسة، بلغ 202 نواب، وفق جداول نشرها المرصد النيابي وموقعة بأسماء النواب الحاضرين.

 

بينما حضر 200 نائب فقط في الجلسة الخامسة بتاريخ 2023/7/31 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية.


وفي الجلسة السابعة بتاريخ 2023/8/3 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية حضر 209 نواب بينما غاب 120 نائباً أغلبهم لم يحضر الجلسات السابقة.

 

فيما حضر 180 نائبا فقط في الجلسة الحادية عشر  بتاريخ 2023/8/16 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية.


وفي الجلسته الرابعة عشر بتاريخ 2023/9/12 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية، حضر 214 نائباً.
أما في الجلسة السابعة عشر بتاريخ 2023/10/1 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية حضر 178 نائبا.
بينما حضر 218 نائبا في الجلسة الثانية و العشرون بتاريخ 2023/10/15 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية من الدورة الانتخابية الخامسة.

 

وفي جلسة استثنائية عقدت بتاريخ 2023/11/15 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية فقد حضر 198 نائباً.


وفي جلسة استثنائية أخرى عقدت بتاريخ 2023/11/18 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية، حضر 171 نائباً فقط.

 

وعلى غير العادة، فقد أعلنت رئاسة مجلس النواب بتاريخ 2024/2/1، عن قائمة بأسماء أعضاء المجلس المتغيبين عن جلسته الخامسة من الفصل التشريعي الأول للسنة التشريعية الثالثة والتي بلغت 125 غياباً أغلبهم أسماء تكررت غياباتها في الجلسات السابقة وحتى اللاحقة من التاريخ أعلاه.

 

وفي الجلسة السادسة بتاريخ 2024/2/12 من الفصل التشريعي الأول للسنة التشريعية الثالثة، فقد حضر 200 نائب بينما غاب عن الجلسة 129 نائباً. وبتاريخ 2024/2/14 من الفصل التشريعي الأول للسنة التشريعية الثالثة، حضر 205 نواب فقط.

 

في الجلسة التي عقدت بتاريخ 2024/4/17، غاب 166 نائباً مما دعى رئاسة البرلمان لتوجيه الدائرة المالية لاستقطاع مبلغ مليون دينار من كل نائب متغيب حينها.

 

وفي أحدت تصريح لوزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء فؤاد حسين، مساء الجمعة، أكد وجود قرابة 100 نائب فضائي، "أدوا القسم ولم يحضروا جلسات البرلمان طيلة الدورة الحالية".

 

الحلبوسي أسس لـ"سنّة سيئة"

 

وتعليقاً على ذلك، يتحدث مدير المرصد النيابي مزهر جاسم الساعدي، عن "سنّة سيئة" سنها رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي، تمثلت بحجب نشر أسماء النواب المتغيبين. 

 

ويقول الساعدي في حديث لمنصة "الجبال"، إن "المعدل العام لغيابات أعضاء مجلس النواب، تجاوز الـ100 نائب خلال الدورة التشريعية الخامسة، إذ وصل معدل الغياب إلى 138 نائبا".

 

وأضاف أن "رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي سن سنّة سيئة، لم تحدث في الدورات السابقة من خلال حجب نشر أسماء النواب المتغيبين"، مبيناً أن "النظام الداخلي لمجلس النواب وقانون المجلس ينص على كشف أسماء المتغيبين للجميع".

 

وأكد الساعدي أن "هناك نواباً أدوا القسم ولم يصلوا بعدها إلى مبنى البرلمان"، مشيراً الى أن "رئاسة البرلمان يفترض أن تُسائل على ذلك، وهناك منظمات ارادت إقامة دعوى قضائية بحق رئيس مجلس النواب بصفته التي تواجد فيها خلال الدورة الحالية، سواء أكان محمد الحلبوسي ام محسن المندلاوي وصولاً إلى محمود المشهداني".

 

ووفق النظام الداخلي، تُنشر أسماء غيابات أعضاء مجلس النواب على موقع البرلمان وإحدى الصحف الرسمية، ووفق قانون مجلس النواب وتشكيلاته فإن النائب إذا غاب عن ثلث جلسات الفصل التشريعي الواحد تتم إقالته، بحسب مدير المرصد النيابي.

 

وأشار الساعدي إلى أن "رواتب النواب المتغيبين والفضائيين مستمرة من دون قطوعات أو غرامات، بالرغم من أن النظام الداخلي للمجلس يؤكد على استقطاع مبلغ من المال للنائب المتغيب، تحدده رئاسة البرلمان، إلا ان الرئاسة لم تطبق ذلك".


ولفت مدير المرصد النيابي إلى أن "غيابات النواب أثرت على عمل المجلس وأحدثت خللاً في انعقاد الجلسات"، واصفاً الدورتين البرلمانيتين الرابعة والخامسة بـأنهما "الأسوأ في الانتظام والتشريع".

 

جميع النواب يتحملون المسؤولية

 

بدوره، يحمل عضو مجلس النواب محمد عنوز، رئاسة البرلمان وأعضاء المجلس مسؤولية غياب زملائهم، من دون اتخاذ أي إجراءات.

 

ويقول عنوز وهو عضو في اللجنة القانونية النيابية لمنصة "الجبال"، إن "غيابات أعضاء مجلس النواب متكررة في كل جلسة منذ بدء الدورة البرلمانية الحالية"، مبيناً أن "جلسة واحدة فقط وصل فيها حضور النواب الى 311 نائباً، بينما باقي الجلسات يتراوح نصابها بين حضور 170 الى 190 نائباً".

 

واضاف عضو البرلمان العراقي، أن "أسماء النواب المتغيبين يفترض أن تُنشر في الصحف؛ كي يراقب الناخب، النائب الممثل عنه والذي انتخبه في وقت سابق ويرى كيف هو اداءه".

 

وأشار عنوز إلى أن "أعضاء مجلس النواب وبما فيهم الرئاسة يتحملون مسؤولية تلك الغيابات"، مبينا أن "التحجج بأن الرئاسة وحدها من تتحمل المسؤولية غير صحيح، إذ ان النواب هم من انتخبوا رئاسة المجلس".

 

وبحسب عضو اللجنة القانونية النيابية، فإن "غيابات النواب أثرت بشكل كبير على عمل البرلمان"، مطالباً بـ"استفتاء دستوري بعد الانتخابات المقبلة لجعل نصاب المجلس ثلثين، لضمان عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وأن يكون قرار النصف زائد واحد من الأعضاء وليس من الحضور".

 

النظام الداخلي "مبعثر"

 

من جهته، يرى رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، أن طبيعة السلوك السياسي والإداري للبرلمانيين لا ينسجم مع التحديات الكبرى التي يواجهها العراق. ويقول فيصل، في حديث لمنصة "الجبال"، إن "كلام وزير الخارجية فؤاد حسين عن وجود 100 فضائي في مجلس النواب العراقي دقيق ومبني معلومات رسمية".

 

وأضاف أن "البرلمان يعد السلطة الأولى في العراق كونها سلطة تشريعية، وهي أهم من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء"، منتقداً "عدم التزام الكثير من النواب بالتزاماتهم تجاه البرلمان والشعب".

 

أشار رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية ألى أن "برلمانات العالم كلها لم تشهد ما يشهده البرلمان العراقي"، مستغرباً من "كثرة سفر النواب للسياحة والحج وتعطيل عمل البرلمان على حساب الشعب"، لافتاً أن "النائب يأتي متلهفا إلى البرلمان كأنما يريد تحقيق منافع شخصية على حساب المنافع التي تقدم على الشعب"، مستدركاً، "لم أر نائباً يفكر بقضايا الجوع والفقر والتنمية ومعالجة البطالة والبيوت العشوائية".

 

وأكد أن "النظام الداخلي للبرلمان يفتقر إلى وجود قواعد أو مبادئ تُلزم النائب بالالتزام بعمله، أو وضع رقابه حوله"، مشيراً إلى أن "50 قانوناً يفترض أن يشرع وفق الدستور، إلا أنها غير مشرعة لغاية الآن".

 

ورأى فيصل أن "طبيعة السلوك السياسي والإداري للنواب لا ينسجم مع التحديات الكبرى التي يواجهها العراق، إذ أن أغلب النواب منشغلين بتصريحات طائفية وصراعات عبثية لا تخدم البلد".

 

ما العقوبة القانونية للنائب المتغيب؟

 

إلى ذلك، أوجز الخبير القانوني، علي التميمي، ست نقاط رأى انه يمكن من خلالها إقالة النواب المتغيبين عن جلسات البرلمان.

 

قال التميمي، في حديث لمنصة "الجبال"، إن "المادة 18 من النظام الداخلي للبرلمان تنص على أن الغياب والحضور ينشر في موقع البرلمان وإحدى الصحف، وان يتم تنبيه المتغيبين للحضور بدون عذر".

 

وأضاف أنه "اذا وصل الغياب إلى 5 مرات متتالية أو 10 مرات متفرقة في الفصل التشريعي الواحد فبإمكان البرلمان أن يصوت على إقالة الغائب بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، أي نصف العدد الكلي زائد واحد وفقاً لقانون الاستبدال، والبرلمان هو الذي يقرر الإقالة من عدمه وفقاً لقانون الاستبدال 49 لسنة 2007، ويكون البديل من ذات القائمة وأفضل الخاسرين وفق قرار المحكمة الاتحادية الذي فسر المادة 46 من قانون الانتخابات 9 لسنة 2020".

 

ونوّه الخبير القانوني أن "الغائب الذي لا يحضر بعد أداء اليمين الوارد في المادة 50 من الدستور الذي أكد على مراعات مصالح الشعب والعمل بإخلاص ومراعات مصالح الشعب وتطبيق القانون، وعدم الحضور يعني حنثاً باليمين ويخالف المادة 258 من قانون العقوبات".

 

وبحسب التميمي فإنه "سواء كان الغياب منفرداً أو جماعياً هو قابل للمعالجة القانونية وتطبيق قوانين الاستبدال، ويمكن للمتضرر من قرار الاستبدال الطعن امام المحكمة الاتحادية".

 

ويمكن لثلث أعضاء البرلمان الطلب من رئاسة البرلمان التصويت على إقالة النواب المتغيبين واستبدالهم، وفق التميمي الذي قال: "إذا صوت البرلمان بالأغلبية المطلقة لعدد النواب الكلي على ذلك يتم استبدالهم وفق المادة الأولى من قانون الاستبدال رقم 49 لسنة 2007، ويكون النواب الذين يحلون محل النواب المستبدلين  من نفس القائمة وفق تفسير المحكمة الاتحادية للمادة 46 من قانون الانتخابات 9 لسنة 2020 وهم افضل الخاسرين، أي الذي يلي النائب الذي تم استبداله في نفس القائمة".

 

وتابع الخبير القانوني، أن "المادة 52 من الدستور متعلقة باستبدال النائب الذي يفقد أحد شروط العضوية"، لافتاً إلى أن "إجراءات الاستبدال يسبقها إنذار إلى المتغيبين من رئاسة البرلمان بضرورة حضور الجلسات من باب إسقاط الحجة".

حسين حاتم صحفي عراقي

نُشرت في السبت 22 مارس 2025 02:00 م

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية


© 2025 الجبال. كل الحقوق محفوظة.