خاص| إيقاف الكري يهدّد الأنهار والأهوار… أزمة سيولة تضع ذي قار أمام أخطر اختبار مائي

خاص| إيقاف الكري يهدّد الأنهار والأهوار… أزمة سيولة تضع ذي قار أمام أخطر اختبار مائي جدول نهر في ذي قار

بين جفافٍ يزحف بصمت وقراراتٍ مالية تُجمِّد شرايين الماء، تقف محافظة ذي قار اليوم أمام اختبارٍ مصيري لأمنها البيئي والزراعي، فمع إيقاف أعمال الكري والتطهير والصيانة تتكشف صورة مقلقة لشبكة مائية مترامية الأطراف تُترك بلا صيانة في أكثر المواسم قسوة حيث شحّ المياه وتراجع الخزين وتزايد المخاطر على الأهوار والأنهار والأراضي الزراعية.


اذ كشف مصدر مسؤول في محافظة ذي قار عن إيقاف وزارة الموارد المائية لجميع أعمال التطهيرات والكري والصيانة في عموم تشكيلاتها، نتيجة عدم توفر السيولة المالية، في خطوة تنذر بتداعيات بيئية خطيرة مع تصاعد موجات الجفاف وشحّ المياه.


وأوضح المصدر لمنصة "الجبال" أن "قرار الإيقاف جاء على خلفية التزامات مالية متراكمة لعام 2025 وعدم تمكّن وزارة الموارد المائية من تسديد ديونها"، مشيراً إلى أن "المحافظة مقبلة على كارثة بيئية وشيكة إذا لم تُستأنف أعمال التطهير، في ظل تراجع الخزين المائي ونقص الإطلاقات".


وبيّن المصدر أن "الوزارة لم تنفّذ خطتها التشغيلية خلال العامين الماضيين بشكل كامل بسبب عدم التمويل من قبل وزارة المالية، ما انعكس سلباً على صيانة الأنهر والجداول والمبازل".


وأضاف أن "فرق الموارد المائية كانت تنفّذ سنوياً تطهير ما يقارب 5 آلاف كيلومتر طولي أو أكثر من المجاري المائية في ذي قار"، مؤكداً أن "توقف هذه الأعمال يهدد الأمن المائي والزراعي، ويزيد من مخاطر التلوث وتفاقم أزمة الجفاف في المحافظة".


وأشار الى ضرورة توفير التمويل العاجل لضمان استمرار أعمال التطهير، وتدارك الآثار البيئية والاقتصادية قبل فوات الأوان.

 


من جانبه، كشف هاشم الأسدي مدير الموارد المائية في ذي قار، لمنصة "الجبال" عن حجم الجداول المائية وتفراعاتها، إذ أن عدد الجداول المتفرعة على نهر الفرات يبلغ نحو 290 جدولاً مائياً، فيما يصل الطول الكلي للأنهر على نهري الغراف والفرات إلى قرابة 6 آلاف كيلومتر.


وأوضح الأسدي أن قلّة التخصيصات المالية أجبرت الدائرة على حصر أعمال التطهير بالجداول الرئيسية فقط لضمان الحد الأدنى من الانسيابية المائية، مبيناً أن الخطة المقرّة كانت تتضمن تطهير 450 كيلومتراً طولياً على نهر الفرات و1100 كيلومتر على نهر الغراف.

 


وأشار إلى أن نسبة إنجاز أعمال التطهير على الفرات لم تتجاوز 47% خلال عام 2025 في حين جرى إعداد وإرسال مقترح خطة هذا العام، لكنها لم تُقر حتى الآن.


لفت الأسدي إلى أن "عدم تطهير الجداول سيؤدي إلى تراكم الأطيان وانتشار زهرة النيل، الأمر الذي يعيق الجريان المائي ويضاعف من خسائر المياه".

 


وحذّر رئيس لجنة التغيرات المناخية في ذي قار، حيدر سعدي، لمنصة "الجبال" من تداعيات خطيرة لقرار وزارة الموارد المائية القاضي بإيقاف الدعم عن مشاريع الكري والتطهير للجداول والأنهار، وهي مشاريع تُنفَّذ منذ سنوات وتشكل خط الدفاع الأول عن المنظومة المائية في المحافظة.


وقال سعدي إن القرار يشكّل خطراً بالغاً على ذي قار، كونها من أكثر المحافظات احتواء على أنهار جانبية ومتداخلة، فضلاً عن كونها تضم مناطق أهوار ومناطق رطبة تعتمد بشكل مباشر على استمرارية أعمال التطهير لضمان تدفق المياه.


وأوضح أن "إيقاف هذه المشاريع قد يؤدي إلى انسداد كامل للمجاري المائية، في وقت يمكن فيه لاستمرارها ولو بالحد الأدنى أن يسهم في إيصال المياه إلى أبعد نقطة ممكنة داخل الشبكة المائية".

 


وعدّ القرار "مجحفاً" في ظل شحّ السيولة، محذّراً من أنه "قد يتسبب بـاندثارات في الأنهار ويضاعف المخاطر البيئية، فضلاً عن محاولته الحد من الهجرة عبر حماية مصادر العيش المرتبطة بالمياه".


بحسب سعدي فإن "المرحلة الحالية تتطلب البحث عن مصادر تمويل بديلة، سواء من الموازنات المخصصة للمحافظة أو عبر مسارات أخرى"، وإن "الحكومة المحلية بدأت بحث الملف مع محافظ  ذي قار لإيجاد حلول عاجلة، على أقل تقدير تأمين المحروقات للآليات الثقيلة بما يضمن تشغيلها المباشر واستمرار أعمال الكري والتطهير".


ولفت رئيس لجنة التغيرات المناخية في ذي قار إلى أن "أي تأخير إضافي سيضاعف الخسائر البيئية والاقتصادية، داعياً إلى "تدخل سريع" لتدارك الأزمة قبل تفاقمها".

 


الجهاز المركزي للإحصاء، كشف بدوره أن محافظة ذي قار وفق اخر احصائية عملت عليها عام 2020، "تمتلك أطول شبكة من الجداول والقنوات الإروائية على مستوى العراق"، بطول إجمالي يبلغ 11175 كيلومتراً، في مؤشر يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المحافظة في إدارة مواردها المائية.


وبيّن الجهاز أن القنوات المبطّنة لا تتجاوز 114 كيلومتراً فقط من مجموع هذه الشبكة، فيما تبقى الغالبية العظمى قنوات ترابية، ما يعني أن نسبة التبطين لا تشكّل سوى نحو 1% من إجمالي الأطوال.


وأكدت البيانات أن هذا الواقع يُعدّ عاملاً رئيسياً في هدر كميات كبيرة من المياه، نتيجة التسرب والتبخر وتراكم الأطيان، خصوصاً في ظل شحّ الإطلاقات المائية والتغيرات المناخية المتسارعة.

 


ويرى مختصون أن ضعف نسب التبطين، إلى جانب توقف أعمال الكري والتطهير، يفاقم أزمة المياه في ذي قار، ويضع الزراعة والأهوار أمام مخاطر حقيقية، ما يستدعي خططاً عاجلة لتبطين القنوات وتحديث الشبكة الإروائية للحد من الهدر وضمان استدامة الموارد المائية.


أزمة المياه في ذي قار لا تبدو مجرّد خللٍ إداري أو عارضٍ مالي بل إنذاراً مفتوحاً لمستقبل بيئي وزراعي مهدَّد، في محافظة تمتلك أطول شبكة إروائية في العراق لكنها تعاني من ضعف أدوات الحماية والصيانة.


وبين قرارات الإيقاف وشحّ التمويل وتسارع التغيرات المناخية، يصبح استمرار الكري والتطهير والتبطين قضية بقاء لا ترف إدارة، فكل يوم تأخير يوسّع دائرة الخسائر، ويقرّب الأنهار والأهوار من نقطة اللاعودة. 

 

 


الجبال

نُشرت في الاثنين 2 فبراير 2026 10:43 ص

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2026 الجبال. كل الحقوق محفوظة.