خاص| قبر نووي.. كيف أغلقت ذي قار اخطر البؤر الإشعاعية في العراق؟

خاص| قبر نووي.. كيف أغلقت ذي قار اخطر البؤر الإشعاعية في العراق؟ موقع الطمر النووي في ذي قار

في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها على مستوى البلاد، أعلنت محافظة ذي قار اكتمال ملف معالجة المخلّفات الإشعاعية الناتجة عن الحروب السابقة، بعد إنشاء موقع طمر نووي مؤمَّن خارج مدينة الناصرية، ليضع حداً لواحد من أخطر الملفات البيئية التي أثقلت كاهل المحافظة لسنوات طويلة.


رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة ذي قار الدكتور أحمد غني الخفاجي كشف في تصريح لمنصة "الجبال"، أن هيئة الطاقة الذرية العراقية، بوصفها الجهة المختصة بإجراء المسوحات الإشعاعية نفذت منذ أربع سنوات عمليات مسح ميداني واسعة شملت جميع مدن وأقضية ونواحي وقرى المحافظة، إضافة إلى المدارس والمناطق المأهولة وغير المأهولة، لرصد أي بؤر أو أجسام ملوثة إشعاعياً.


وأوضح الخفاجي أن تلك المسوحات أسفرت عن تشخيص مقذوفات وأجسام ملوثة بالإشعاع جرى التعامل معها وفق إجراءات علمية دقيقة حيث تم جمعها ونقلها إلى محجر خاص يبعد نحو 50 كيلومتراً عن مركز مدينة الناصرية ليكون موقعاً مخصصاً لحجر وطمر هذه المواد الخطرة.


وبيّن أن هذا الموقع يُعدّ الأول من نوعه في العراق وقد أُنشئ خصيصاً ليكون "قبراً نووياً" آمناً، جرى بعد إنجازه تسليمه رسمياً إلى إدارة المحافظة.

 

مواصفات هندسية مشددة

وأشار الخفاجي إلى أن مساحة موقع الطمر تبلغ دونماً واحداً فقط، فيما أُنشئ داخله قبر نووي بأبعاد 12 متراً طولاً و4 أمتار عرضاً و3 أمتار عمقاً، مع صندوق كونكريتي خاص بسماكة جدران تصل إلى 50 سنتيمتراً، صُمم لاحتواء الإشعاع ومنع أي تسرب محتمل على المدى القريب أو البعيد.


وبيّن أن نوعية المواد المدفونة شملت قطعاً حديدية لدبابات وهياكل سيارات ومركبات عسكرية تعرضت للقصف باستخدام أسلحة ملوثة، لاسيما خلال حربَي عامي 1991 و2003 حيث قامت فرق هيئة الطاقة الذرية بجمعها من مختلف مناطق المحافظة ونقلها وطمرها في هذا الموقع وفق بروتوكولات السلامة المعتمدة.


وذكرت صحيفة Declassified UK أن الجيش البريطاني استخدم أكثر من 2.3 طن من قذائف اليورانيوم المنضب في العراق.


وأوضحت الصحيفة أن هذه القذائف استُخدمت خلال عملية عاصفة الصحراء عام 1991 وكذلك أثناء غزو العراق عام 2003.


وأشارت الصحيفة إلى أن وزارة الدفاع البريطانية اعترفت بعد الغزو بأنها تتحمل "التزاماً أخلاقياً" بالمساهمة في تطهير الأراضي العراقية من شظايا نحو 420 قذيفة يورانيوم تم استخدامها هناك.


وأضافت الصحيفة، نقلاً عن وزارة الدفاع، أن نتائج دراسة أجرتها الجمعية الملكية في لندن تدعم قرار إرسال قذائف اليورانيوم المنضب إلى أوكرانيا.


وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية أن دراسة مستقلة قام بها علماء أشارت إلى أن آثار استخدام اليورانيوم المنضب يُرجح أن تكون منخفضة نسبياً.

 

موافقات رسمية ومعايير دولية
من جهته، أكد الدكتور أحمد صدام مدير مديرية النفايات المشعة في هيئة الطاقة الذرية العراقية، في تصريح خاص لمنصة "الجبال"، أن اختيار موقع الطمر لم يكن عشوائياً، بل جاء وفق أعلى المعايير العلمية والبيئية وبعد الحصول على موافقات رسمية من وزارات البيئة والموارد المائية والنفط والآثار، لضمان خلو المنطقة من أي مكامن مائية أو مواقع أثرية أو حقول نفطية قريبة.


وأوضح صدام أن الموقع استوعب كامل النفايات المشعة الناتجة عن استخدام اليورانيوم المنضب خلال القصف الأميركي للعراق، فضلاً عن نفايات أخرى ملوثة تم استيرادها سابقاً ضمن مركبات وقطع غيار. وأشار الى أن جميع هذه النفايات جُمعت في موقع واحد مؤمَّن، لا تتجاوز مساحته دونما واحدا، وخُزنت داخل حاويات خاصة تخضع لرقابة دورية صارمة وفحوص إشعاعية مستمرة، لضمان السيطرة الكاملة على أي احتمالات للتسرب أو التلوث.

 

من ملف بيئي شائك إلى فرصة علمية
وفي بعدٍ علمي جديد، أشار رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس ذي قار أحمد الخفاجي إلى أن موقع الطمر أصبح متاحاً الآن لطلبة الدراسات العليا والباحثين في اختصاصات الفيزياء النووية والإشعاعية، بوصفه مختبراً ميدانياً يمكن الاستفادة منه في إجراء الدراسات والبحوث العلمية، ضمن ضوابط وإجراءات سلامة محددة.


في مؤتمرٍ صحفي عُقد الأسبوع الماضي خلال مراسم تسليم الموقع، وبحضور منصة "الجبال"، أكد مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة النووية الدكتور حامد الباهلي، أن هذا الموقع يُعد الأول والوحيد من نوعه في العراق.


وأشار الباهلي إلى أن الطموح يتجه نحو تحويل الموقع إلى مختبر علمي متقدم لا مثيل له على مستوى البلاد، بما يتيح استثماره في إعداد البحوث والدراسات المتخصصة في المجال الإشعاعي.


وأعرب عن أمله في أن تتحول محافظة ذي قار إلى العمود الفقري للبحث العلمي الإشعاعي في العراق، بما يعزز قدرات البلاد العلمية ويضعها على خارطة التطور في هذا القطاع الحيوي.


إلا أن أحد أساتذة جامعة ذي قار، فضّل عدم الكشف عن اسمه، قدّم قراءة أكثر تحفظاً، موضحاً أن الفائدة العلمية للموقع قد تقتصر في الوقت الحالي على المشاهدة العينية والاطلاع الميداني فقط باعتباره محجراً مغلقاً أُنشئ ضمن مواصفات أمان عالية.


وذكر مدير عام المركز صباح الحسيني، في تصريح صحفي سابق أن المواقع الملوثة في العراق محددة بدقة على شكل نقاط داخل كل موقع.


وأوضح أن عدد المواقع التي تمت إزالة التلوث منها بلغ 59 موقعاً، بينما تبقى 10 مواقع فقط بمساحات تتراوح بين 20 و25 دونما على مستوى البلاد.


وأشار الحسيني إلى أن المركز يقوم بـ مراقبة الخلفية الإشعاعية في البيئة العراقية يوميا وبشكل مستمر.


وأعلن رئيس مجلس حماية وتحسين البيئة في ذي قار ماجد العتابي أن المحجر الإشعاعي الحالي تم استلامه إدارياً لكن الجوانب الفنية ما زالت تحت إدارة الجهات المختصة.


وأضاف العتابي أنه ستتم مخاطبة جامعة ذي قار لإتاحة الفرصة لطلبة الدراسات العليا لاستفادة من المحجر في أبحاثهم العلمية بما يعزز الجانب الأكاديمي والبحثي.

 

 

خطوة نحو مستقبل أكثر أماناً
ويُعدّ إعلان خلو محافظة ذي قار من أي بؤر تلوث إشعاعي خارج هذا الموقع المؤمَّن خطوة مفصلية في مسار تحسين الواقع البيئي والصحي للمحافظة، ويفتح الباب أمام تعزيز حضورها العلمي والبحثي على مستوى العراق والمنطقة، بعد سنوات طويلة من القلق الشعبي والمخاوف المرتبطة بإرث الحروب وآثارها الإشعاعية.


وبينما تُغلق ذي قار أحد أخطر ملفاتها البيئية، تضع في الوقت ذاته أساساً لتجربة يمكن أن تُحتذى بها في محافظات أخرى، حيث تتحول المعالجة العلمية الرصينة من مجرد إجراء احترازي إلى رافعة للمعرفة وبناء الثقة بمستقبل أكثر أماناً.

 


الجبال

نُشرت في الخميس 22 يناير 2026 11:32 ص

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2026 الجبال. كل الحقوق محفوظة.