كشف خبير اقتصادي خطأ استراتيجي و"خداع بصري" بنظام الضرائب والاحتساب الضريبي في العراق، مشيراً إلى أرقام وهمية، وحلولاً للنجاة من مسار العجز الذي يختلج اقتصاد البلد.
الخبير الاقتصادي منار العبيدي، أوضح في تدوينة نشرها عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، السبت 17 كانون الثاني 2026، أنه عند النظر إلى الأرقام المجردة للاقتصاد العراقي، "قد نقع في فخ (الخداع البصري) المعتاد"، مشيراً إلى أنه "وفقاً لبيانات وزارة التخطيط، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024 حاجز الـ 363 تريليون دينار، في حين لم تتجاوز الإيرادات الضريبية (بشقيها المباشر وغير المباشر) عتبة الـ 6 تريليونات دينار".
وأضاف "للوهلة الأولى، ستقول لغة الأرقام التقليدية أن (العبء الضريبي) في العراق لا يتجاوز 1.65%، وهي نسبة تكاد تكون معدومة عالمياً. ومن هنا، ينطلق الصوت التقليدي (والبيروقراطي) للمطالبة بزيادة الضرائب ورفع الرسوم لتعظيم إيرادات الدولة"، مستدركاً: "هل هذه هي الحقيقة؟ وهل الحل يكمن في (عصر) الاقتصاد أكثر؟".
أين يكمن الخلل؟
يقول العبيدي إن الاعتماد على الرقم الإجمالي (363 تريليون) هو "خطأ استراتيجي"، في التحليل، موضحاً أنه "علينا أولاً أن نستبعد الكتل (المعصومة) من الضريبة هيكلياً (القطاع النفطي 37%): وهو ريع سيادي يذهب مباشرة للخزينة ولا يخضع لمنطق الضريبة. والقطاع الحكومي 22%): وهو عبارة عن رواتب وإنفاق تشغيلي، أي أن الدولة تدفع لنفسها"، ويضيف "بجمع هذين الرقمين، نكتشف أن ما يقارب 60% من حجم الاقتصاد هو خارج معادلة السوق الحقيقية، ما يتبقى لنا هو (القطاع الخاص) الهش الذي يمثل قرابة 41% (نحو 149 تريليون دينار). وعندما نقيس الـ 6 تريليونات ضريبة مقابل هذا الوعاء الحقيقي، ترتفع النسبة إلى 4% تقريباً. ورغم أنها لا تزال منخفضة، إلا أنها تخفي كارثة أكبر: إننا نفرض ضرائب على الجزء (المسجل) فقط من هذا القطاع، بينما يرتع الجزء الأكبر في (الظل)".
"وهم الأرقام"
وذكر العبيدي أنه حتى داخل القطاع الخاص، هناك أرقام "منفوخة" لا تعبر عن قيمة حقيقية، مشيراً إلى القطاع الزراعي الذي سجل ناتجاً بحدود 12.3 تريليون دينار، كمثال، و"الحقيقة المرة أن جزءاً كبيراً من هذا الرقم ليس (قيمة مضافة) خلقها المزارع، بل هو (فرق سعر) ناتج عن الدعم الحكومي الهائل لمحصول الحنطة (شراء بضعف السعر العالمي)".
وأردف "نحن هنا أمام عملية تدوير لأموال النفط وتسجيلها محاسبياً كـ (ناتج زراعي). لو رفعنا الدعم، لانهار هذا الرقم وانكشفت الهشاشة الإنتاجية".
"تكبير الكعكة لا زيادة السكين"
وبحسب العبيدي فإن "أي محاولة لزيادة الإيرادات عبر رفع النسب الضريبية في ظل هذا التشوه، ستؤدي إلى نتيجة عكسية: سحق الشركات الملتزمة القليلة أصلاً، ودفع ما تبقى منها للهروب نحو الاقتصاد غير المنظم (Shadow Economy)".
ويرى الخبير الاقتصادي أن "الحل الجذري الذي يجب أن نتبناه في رؤيتنا الاقتصادية القادمة يكمن في معادلة بسيطة: زيادة الحصيلة من خلال تعظيم الناتج، لا من خلال تعظيم الجباية".
وكذلك "تحسين بيئة الأعمال" هو "الضريبة الخفية"، بحسب قوله، كون "الشركات لا تتهرب من الضريبة لأنها شريرة، بل لأن كلفة العمل النظامي في العراق باهظة (روتين، بيروقراطية، ابتزاز، وتخلف مصرفي)"، منوّهاً "إذا جعلنا بيئة الأعمال جاذبة وسهلة، ستتحول آلاف الورش والمتاجر والشركات من (الاقتصاد الكاش) إلى الاقتصاد الرسمي. دخولهم إلى الوعاء الضريبي -حتى بنسب منخفضة- سيضاعف الإيرادات تلقائياً دون الحاجة لمطاردتهم".
وأيضاً "التحول من الريع إلى الإنتاجية"، قائلاً: "بدلاً من الفرح برقم 12 تريليون زراعي مدعوم، يجب أن نستثمر في تقنيات ترفع إنتاجية الدونم وتقلل الكلفة، ليصبح القطاع رابحاً بذاته ودافعاً للضرائب بدلاً من أن يكون مستهلكاً للموازنة".
ودعا الخبير الاقتصادي إلى اعتماد "التكنولوجيا كأداة للعدالة"، مبيناً أن "لا يمكن ضبط إيقاع ضريبي في اقتصاد يعتمد الكاش بنسبة 90%"، و"الحل يبدأ بالأتمتة والدفع الإلكتروني الذي يجعل التدفقات المالية مرئية، مما يسمح بفرض ضرائب عادلة وواقعية تتناسب مع الربح الحقيقي".
الخبير الاقتصادي قال: "إن هدفنا في السنوات الأربع القادمة لا يجب أن يكون (كم جبينَا من المواطن والتاجر)، بل (كم ساعدناهم ليربحوا أكثر)"، و"عندما ينمو القطاع الخاص الحقيقي، وعندما تتحول الشركات الصغيرة إلى مؤسسات رابحة (وربما يونيكورن)، ستنمو الإيرادات الضريبية كتحصيل حاصل".
تعبيرية