حذّر الخبير في الشأن المالي والاقتصادي ناصر الكناني، الأربعاء 7 كانون الثاني 2026، من تداعيات القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة برفع بعض الرسوم والضرائب، بينما أشار إلى أن رواتب الموظفين ستفقد قيمتها الشرائية مع فرض الضرائب الجديدة ورفع رسومها، ورأى أن الضرائب الجديدة، ستخلق شعوراً عاماً بـ"الضيق المعيشي".
وقال الكناني في حديث لمنصّة "الجبال"، إنه "يجب الحذر من تداعيات القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة برفع بعض الرسوم والضرائب، فالتأثير المباشر لن يظهر على قيمة الراتب الاسمي للموظف بقدر ما سينعكس بوضوح على القيمة الفعلية للراتب في الأسواق، مع توقعات بارتفاع تدريجي في أسعار السلع والخدمات خلال الفترة القليلة المقبلة".
وبيّن الخبير، أن "أي زيادة في الضرائب غير المباشرة، مثل الرسوم الجمركية أو الضرائب على السلع والخدمات، تنتقل تلقائياً إلى المستهلك النهائي، والتاجر أو المستورد يعيد تحميل الكلفة على السعر، ما يعني أن المواطن يدفع الفرق من دخله الثابت، وشريحة الموظفين وأصحاب الدخل المحدود ستكون الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها شبه الكامل على راتب شهري ثابت لا يتكيف مع تغيرات السوق، والنتيجة الطبيعية هي تراجع القدرة الشرائية، حتى لو لم يمس الراتب من الناحية القانونية".
وأضاف، أن "الأسواق العراقية تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي تغيير في الرسوم أو الضرائب، وارتفاع كلفة الاستيراد ينعكس سريعاً على أسعار المواد الغذائية، الأجهزة، النقل، وحتى بعض الخدمات اليومية، والخطر لا يكمن فقط في الارتفاع الفوري للأسعار، بل في الأثر التراكمي، حيث تبدأ الزيادات بسيطة ثم تتسع تدريجياً، ما يخلق شعوراً عاماً بالضيق المعيشي ويضغط على الطبقة المتوسطة، التي تشكل عماد الاستقرار الاجتماعي".
وعلّق الكناني على المقارنات المطروحة في الشارع العراقي بين الوضع الحالي و"أيام حصار التسعينيات"، قائلاً إن "المقارنة من الناحية الاقتصادية الصرفة غير دقيقة، فالعراق اليوم يمتلك موارد نفطية، وانفتاحاً تجارياً، ونظاماً مالياً مختلفاً جذرياً عمّا كان عليه في تلك المرحلة، والمقارنة مفهومة من زاوية الإحساس الشعبي، والشعور بتآكل الدخل وغلاء المعيشة قد يعيد إلى الأذهان صوراً قديمة من المعاناة، حتى لو اختلفت الأسباب والظروف".
وتابع، أن "فرض الضرائب بحد ذاته ليس خطأ اقتصادياً إذا جاء ضمن رؤية إصلاحية شاملة، لكن يجب تطبيقه مع إجراءات موازية، أبرزها دعم الفئات الهشة وأصحاب الدخل المحدود، مع ضبط الأسواق ومنع الاستغلال والاحتكار، إضافة الى تحسين الخدمات العامة لتبرير العبء الضريبي، مع تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل تقلل الاعتماد على الراتب الحكومي".
وختم الخبير في الشأن المالي والاقتصادي حديثه بالقول: إنه "إذا لم يشعر المواطن بأن ما يدفعه يعود عليه بخدمة حقيقية واستقرار معيشي، فإن أي قرار ضريبي سيتحول من أداة إصلاح إلى عبء اجتماعي قد تكون له انعكاسات أوسع على الاستقرار الاقتصادي والشارع العراقي".
وكان مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس حكومة تصريح الأعمال محمد شياع السوداني، قد دعا الحكومة، إلى العمل الجاد على إنجاح مسارات السياسة المالية والإجراءات الانضباطية؛ لتحقيق استدامة مالية ومواجهة الهبوط الدوري الملازم لدورات الأصول النفطية، بينما أشار إلى أن مفهوم الاستدامة المالية يقتضي ضبط الإنفاق العام وتدقيقه وفق معايير كفاءة الصرف وترتيب الأولويات، بالتوازي مع تعظيم الإيرادات غير النفطية، مطمئناً بشأن "تأمين" رواتب الموظفين والمتقاعدين، بينما رأى أن الإجراءات المالية الأخيرة، التي اتخذتها حكومة تصريف الأعمال، تهدف الى دعم التدفقات النقدية للموازنة العامة.
وقال صالح، في تصريح تابعته "الجبال"، إنه "لا توجد أي مخاوف تتعلق بتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية، ما دامت التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية مستمرة"، مبيناً أن "استمرار التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية، تعكس حقيقة مفادها أن أسواق الطاقة العالمية لا يمكن أن تتعرض لانهيار شامل، ما يضمن حداً أدنى مستداماً من الإيرادات النفطية الكفيلة باستمرار دوران عجلة الاقتصاد الوطني والوفاء بالالتزامات الأساسية".
وأضاف، أن "هذا الاطمئنان لا يعفي الحكومة من ضرورة العمل الجاد على إنجاح مسارات السياسة المالية والإجراءات الانضباطية التي جرى اعتمادها مؤخراً، بهدف تحقيق الاستدامة المالية ومواجهة الهبوط الدوري الملازم لدورات الأصول النفطية"، مشيراً الى ان "مفهوم الاستدامة المالية يقتضي ضبط الإنفاق العام وإعادة فحصه وتدقيقه وفق معايير كفاءة الصرف وترتيب الأولويات، بالتوازي مع تعظيم الإيرادات غير النفطية، بما يضمن تأمين النفقات الواجبة الدفع والوفاء بالالتزامات المالية بصورة مستقرة ومستدامة، بعيداً عن تقلبات الإيرادات النفطية".
وأشار إلى، أن "قرار مجلس الوزراء الصادر مؤخراً، يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة السياسة المالية، تقوم على نهج (التعزيز المالي)، الذي يستهدف تقليص العجز المالي تدريجياً على المدى القصير، وترسيخ مسار الانضباط المالي في المدى المتوسط، ولا سيما في موازنة عام 2026، فضلاً عن اعتماد استراتيجية متدرجة لخفض رصيد الدين العام".
وبيّن صالح، أن "هذا المسار يمثل ركيزة أساسية لتعزيز متانة المالية العامة وترسيخ أسس الاستدامة المالية، بما يضمن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية والاقتصادية بصورة منتظمة ومستقرة".
وتابع، أن "الإجراءات المالية الأخيرة تهدف الى دعم التدفقات النقدية للموازنة العامة من خلال تفعيل أوعية إيرادية كانت مهملة أو غير مستثمرة بالكفاءة المطلوبة"، معتبراً أنها "لا تتعارض مع الحفاظ على استقرار المستوى المعيشي للمواطن ورفاهيته، بل تأتي ضمن إطار إصلاحي أوسع يسعى الى توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، وتعزيز الانضباط المالي بوصفه شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار المالي واستدامة التمويل العام".
وفي وقت سابق اليوم، وصفت النائب في البرلمان العراقي، منى الغرابي، ما أقدمت عليه الحكومة من إجراءات تتعلق برفع الضرائب بـ"المخالفة الصريحة للدستور، ولا يمكن السماح بالعمل بها خارج الأطر القانونية والدستورية".
وقالت الغرابي، إن "الإجراءات المتخذة من قبل مجلس الوزراء برفع الضرائب تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، كون فرض الضرائب أو تعديلها من الصلاحيات الحصرية لمجلس النواب، وفقاً لما نص عليه الدستور العراقي".
وأشارت إلى أن المادة (28 / أولاً) من الدستور العراقي نصّت صراحة على أنه "لا تُفرض الضرائب والرسوم، ولا تُعدّل، ولا تُجبى، ولا يُعفى منها، إلا بقانون".
وأضافت الغرابي، "نحن كأعضاء في مجلس النواب سنقف بوجه هذا التخبط الحكومي، لما له من آثار سلبية مباشرة على المواطن العراقي، الذي يعيش هذه الأيام حالة من القلق والحيرة، في ظل إجراءات حكومية غير مدروسة تُحمّله أعباءً مالية إضافية."
أموال عراقية (تعبيرية/ مواقع التواصل)