جنوب العراق ومعركة تمدد صحراء المثنى.. هل تنفع المعالجات الحكومية في إيقاف غمرة الرمال؟

جنوب العراق ومعركة تمدد صحراء المثنى.. هل تنفع المعالجات الحكومية في إيقاف غمرة الرمال؟ طريق صحراوي بين ذي قار والمثنى

عند الطريق السريع الرابط بين ذي قار والمثنى تتحرك الكثبان الرملية على امتداد الأفق والتي هي اليوم واحدة من أخطر التهديدات التي تواجه جنوب العراق، فهي تُغلق طرقاً وتخنق قرى وتلتهم أراض زراعية كانت قبل عقود قريبة جزءاً من سلة غذاء البلاد.

 

دائرة تثبيت الكثبان الرملية في ذي قار أعلنت عن بدء العمل بمعالجات ميكانيكية واسعة تستهدف 400 دونم من المساحات المتصحرة، عبر تغطيات طينية وسواتر ترابية تمتد 10 كيلومترات لكسر حركة الرياح وتقليل زحف الرمال.

 

وقال مدير الدائرة، قحطان الحسيني، في حديث لمنصة "الجبال"، إن "المشروع يأتي ضمن خطة مشتركة بين الأمانة العامة لمجلس الوزراء ومنظمة الهبيتات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية التي أدرجت مناطق جنوب العراق ضمن المناطق التي تحتاج إلى معالجة".

 

وأوضح الحسيني أن "المساحة التي تم اختيارها تقع في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق البلاد نشاطاً في الكثبان الرملية، وتقع بين ذي قار والمثنى، ولا تبعد حركة الكثبان عنها سوى 500 متر"، مؤكداً أن المرحلة الحالية تعتمد على فرش "تربة طينية" ثقيلة بسماكة تتراوح بين 15 – 25 سم للسيطرة على حركة الرمال.

 

كما أشار المتحدّث إلى أن "المنطقة الصحراوية المتدهورة تمتد من بين ذي قار والمثنى والقادسية على مساحة تصل إلى  630 ألف دونم، بينما تبلغ مساحة الكثبان الرملية الفعّالة التي تتحرك باستمرار بفعل الرياح الجافة حوالي 80 ألف دونم، ما يجعل المشروع الحالي خطوة أولى".

 

ليست ذي قار استثناء من ذلك، فالصورة على مستوى العراق مقلقة، تقارير متخصّصة تشير إلى أن "نحو 39–40٪ من مساحة العراق متأثرة فعلاً بالتصحر فيما يزيد عن نصف مساحة البلاد تحت خطر التصحر خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الاتجاهات الحالية كما هي". 

 

وفي تقييم أممي حديث، جرى تصنيف محافظات جنوب عراق ومنها (ذي قار، وميسان، والمثنى، والقادسية، وواسط)  ضمن أكثر المناطق تعرضاً لمجموعة من المخاطر البيئية مجتمعة الجفاف والعواصف الترابية وتملّح التربة وتدهور الغطاء النباتي.

 

دراسات عراقية استخدمت صور الأقمار الصناعية لمتابعة مؤشرات الغطاء النباتي في ذي قار أظهرت تراجعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء خلال العقود الأخيرة، وتزايداً واضحاً لمؤشرات تدهور التربة والغطاء الأرضي، خصوصاً في الأجزاء الغربية والجنوبية من المحافظة المحاذية للأحزمة الصحراوية.

 

وفي الوقت نفسه، تُظهر خرائط الكثبان الرملية في العراق أن حزاماً رملياً يمتد على طول الضفة اليمنى لنهر الفرات، من مناطق قريبة من النجف حتى السماوة ثم يتصل بمناطق تحيط بمستنقعات ومسطحات قريبة من حدود ذي قار الشمالية والغربية، ما يجعل المحافظة في تماس مباشر مع أكبر حزام كثباني في البلاد.

 

من جهته أكد أستاذ الجغرافيا البيئية، الدكتور رحيم عدنان، أن "المنطقة التي يُنفَّذ فيها المشروع تُعد الأخطر والأسرع زحفاً في الجنوب لكونها ملاصقة للطريق السريع الرابط بين المحافظات، والذي يشهد سنوياً حوادث مرورية بسبب تحرك الكثبان وقطعها للطريق لمسافات تمتد أحياناً لأمتار.

 

ووفقاً لوزارة البيئة، سجّل العراق متوسط 272 يوماً مُغبراً سنوياً على مدار العقدين الماضيين وقد يرتفع هذا الرقم إلى 300 يوم سنوياً بحلول عام 2025 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، ويعتبر العراق من بين الدول الأكثر عرضة لتغير المناخ.


من جانبه، كشف معاون محافظ ذي قار لشؤون التخطيط رزاق العلي عن "استعداد المحافظة، وبالتنسيق مع منظمة الهبيتات لإطلاق حملة موسّعة خلال الأسابيع المقبلة تتمثل بزراعة 10 آلاف شتلة في المناطق التي يجري العمل على معالجتها من التصحر".


وأوضح العلي أن "هذه الخطوة تمثّل المرحلة الثانية من مشروع مكافحة التصحر، وتهدف إلى توسيع المساحات الخضراء والسيطرة على زحف الكثبان الرملية، لا سيما في هذه الفترة الباردة التي تُعدّ الأنسب لتنفيذ عمليات التشجير وتعزيز الغطاء النباتي".


وأكد العلي أن "الحملة تسعى إلى إحداث أثر ملموس في تقليل تدهور الأراضي واستعادة توازن البيئة في المناطق الأكثر تعرضاً للزحف الصحراوي داخل المحافظة".


وفي ظل هذا المشهد البيئي المتسارع، تبدو جهود تثبيت الكثبان الرملية في ذي قار خطوة ضرورية لكنها لا تزال بداية طريق طويل يواجه العراق خلاله تحديات مناخية متفاقمة، فبين خرائط تُظهر اتساع الأحزمة الصحراوية وبيانات تؤكد ازدياد أيام الغبار تتعاظم الحاجة إلى خطط مستدامة تعيد للتربة عافيتها وللأرض قدرتها على التنفس.


المعركة مع الصحراء لم تُحسم، وما يجري اليوم قد يحدّد ملامح الجنوب لعقود قادمة، إما أرضٌ مستعادة أو صحراء تتمدد بلا توقف.

 

 

 

 

 


الجبال

نُشرت في الأحد 30 نوفمبر 2025 11:05 ص

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2025 الجبال. كل الحقوق محفوظة.