يبدو أن خيارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض العقوبات بدأت تأخذ منحاً متشابهاً، لكنه يعتبر جديداً بالنسبة للعراق وأكثر تأثيراً ربما بذات الوقت، وفي الوقت الذي ما يزال العراق يتساءل عما قد يصيبه من خطط ترامب للشرق الأوسط الجديد، جاءت العقوبات الجديدة الأميركية على فنزويلا لتفتح الباب عما إذا سيطال بغداد ما طال غيرها وفق استراتيجية "طرد الزبائن".
كان أكثر ما يتخوف منه العراق خلال الفترات الماضية هو أن يقوم ترامب بالحجز على الدولارات المتأتية من بيع النفط العراقي ومنعها من الوصول إلى العراق، لكن نوعية العقوبات الجديدة على فنزويلا، والتي لم تكن مباشرة وهجومية، جعلت الجميع في حيرة وصدمة، فهي عقوبات مؤذية وتجعل الجميع شريكاً بها ولا تتحملها الولايات المتحدة لوحدها، وذلك عندما قرر ترامب فرض رسوم جمركية قدرها 25% على بضائع الدول التي تشتري النفط والغاز من فنزويلا.
وبعبارة أخرى، فإن الدول التي تشتري النفط من فنزويلا، وتقوم بتصدير البضائع الى أميركا، سيكون عليها دفع رسوم على بضائعها تبلغ 25%، وهي رسوم كبيرة ستتحملها الدولة أولاً، والأمر الآخر سيتسبب بارتفاع أسعار السلع والبضائع لهذه الدولة والمصدرة الى أميركا، ما يجعلها عاجزة عن منافسة بضائع الدول الأخرى الموجودة في السوق الأميركي، وبذلك تتكدس البضائع بل وقد يضطر التجار والمستوردون إلى عدم استيراد بضائع هذه الدولة بعد الآن إلى أميركا.
بهذه الطريقة يتمكن ترامب من جعل حتى البلدان الصديقة لفنزويلا والتي كانت تشتري منها النفط، مشاركة في العقوبات، وتضطر لعدم شراء النفط من فنزويلا بعد الآن، لغرض حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الرسوم البالغة 25% على بضائعها المصدرة إلى أميركا.
وبالفعل، كشفت بلومبيرغ عن بعض المصافي الصينية أنها توقفت بالفعل من الآن عن شراء النفط الفنزويلي، بانتظار قرارات الحكومة الصينية قبل تطبيق القرار من واشنطن رسمياً في 2 نيسان/أبريل المقبل.
هذا النوع من العقوبات فتح باب التساؤلات من قبل مراقبين ومختصين بالاقتصاد، عما إذا كان ترامب قد يستخدم ذات الطريقة مع العراق، على سبيل المثال يفرض رسوماً جمركية ضد البلدان التي تستورد النفط العراقي، ما يجعل جميع البلدان تتحاشى شراء واستيراد نفط العراق والبحث عن بدائل، الأمر الذي يهدد بانخفاض صادرات نفط العراق.
وتنتج فنزويلا حوالي مليون برميل يومياً، تستورد الصين حوالي نصفه، وتقوم الصين بتصدير بضائع إلى أميركا بنحو 440 مليار دولار سنوياً من أصل 3.4 تريليون دولار إجمالي صادرات الصين إلى العالم، هذا يعني أن 13% من صادرات الصين الإجمالية، تذهب إلى أميركا.
وفقاً لذلك، من المحتمل أن توقف الصين استيراد النفط من فنزويلا، أي أن فنزويلا ستخسر 62% من إجمالي صادراتها النفطية البالغة حوالي 800 ألف برميل يومياً.
وبذات الطريقة، تستورد الصين من العراق أكثر من مليون برميل نفط يومياً، وكذلك تستورد الهند حوالي مليون برميل يومياً، وبينما تصدر الصين إلى أميركا بأكثر من 400 مليار دولار، تصدر الهند إلى أمريكا بأكثر من 70 مليار دولار، وهي صادرات تشكل حوالي 10% من إجمالي صادراتها إلى العالم، الأمر الذي سيجعل الهند حريصة كل الحرص على عدم إضرار علاقتها التجارية مع أمريكا.
ووفقاً لذلك، فإن هذين البلدين الذين يستوردان 60% من النفط العراقي، يحرصان كل الحرص على عدم الإضرار بعلاقتهما التجارية مع أميركا، بسبب حجم صادراتهما الكبير إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبذلك فإنه بمجرد أن يكرر ترامب ما حصل مع فنزويلا وتطبيقه على العراق، فإنه لا يحتاج إلى احتجاز الدولارات ولا فرض عقوبات من أي نوع تجاه العراق بشكل مباشر، سيدفع البلدان إلى ترك نفط العراق وطرد زبائنه خوفاً من "عصا الرسوم".
وبذلك، لعلّ النفط العراقي سيصبح عرضة للخصومات الكبيرة التي يعرضها على العالم فقط ليتمكن من بيع نفطه، وعلى الأغلب لن يشتري النفط العراقي سوى البلدان التي ليست لديها صادرات إلى أميركا لأنها لن تتأثر بالقرار الأميركي المحصور على البلدان التي لديها صادرات تجارية إلى الولايات المتحدة الأميركية.