رغم الاعتراف الرسمي، لا يزال اتحاد الرياضات الإلكترونية في العراق يعمل بموارد ذاتية، ويواجه تهميشاً حكومياً واضحاً، وبين غياب التمويل، ونقص البنية التحتية، والوعود التي لم تُنفذ، يبقى السؤال: متى تدرك الحكومة أن الرياضات الإلكترونية ليست مجرد "ألعاب"، بل صناعة اقتصادية يمكن أن تحقق أرباحاً ضخمة وتوفر فرص عمل لشباب العراق؟
لم يكن تأسيس الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية وليد لحظة عابرة، بل جاء بعد مسيرة شاقة خاضها مجموعة من اللاعبين المحترفين الذين لعبوا باسم العراق منذ سنة 2010.
حيدر جعفر، رئيس الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية، يروي بدايات التأسيس قائلاً: "عندما تأهلنا إلى بطولة عالمية لأول مرة، تفاجأنا بسؤال وجه إلينا: أين اتحادكم الوطني؟، حيث لم يكن لدينا أي جهة رسمية تمثلنا، ما دفعنا إلى اتخاذ قرار بتأسيس الاتحاد بأنفسنا. بدأنا رحلة طويلة في مراجعة وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية، لكن الاعتراف الرسمي لم يتحقق إلا بعد أكثر من عشر سنوات".
في عام 2021، صدر قانون الاتحادات الرياضية رقم 24، الذي شمل اتحاد الرياضات الالكترونية رسمياً، مما منحه الشرعية المطلوبة للانضمام إلى الاتحادات الدولية والعربية. اليوم، يتألف الاتحاد من مجموعة من المختصين في مجالات التكنولوجيا وإدارة الأعمال، هذه الخلفية الأكاديمية والتقنية تعزز من قدرة الاتحاد على قيادة المشهد الرقمي للرياضات الإلكترونية في العراق.
العراق والألعاب.. إنفاق بلا إنتاج
وأحتل العراق المرتبة الثالثة عربيا من حيث الإنفاق على الألعاب الإلكترونية، وهو ما يراه جعفر مؤشراً غير صحي، قائلاً: "علينا ألا نكتفي بكوننا مستهلكين، بل يجب أن نطمح إلى تصدير هذه الرياضة وتحقيق أرباح تدعم اقتصادنا. اليوم، الرياضات الإلكترونية لم تعد مجرد ترفيه، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الرقمي العالمي، وهو ما أشار إليه إيلون ماسك عندما قال: كل شيء في العالم يتجه نحو الألعاب، حتى التعليم يجب أن يكون على هيئة ألعاب لتسهيل فهمه واستيعابه".
لم تعد الرياضات الإلكترونية مجرد هواية أو ترفيه، بل أصبحت قطاعاً اقتصاديا متكاملاً، يدر مليارات الدولارات سنويا ويخلق فرص عمل جديدة. الدول التي أدركت هذه الحقيقة، مثل السعودية والإمارات وقطر، استثمرت في هذا المجال بقوة، فحولته من مجرد نشاط شبابي إلى محرك اقتصادي يساهم في التنويع المالي وجذب الاستثمارات.
ويطرح حيدر جعفر في حديث خاص مع "الجبال"، مثالاً حياً من المنطقة، مستعرضاً تجربة السعودية، التي رأت في الرياضات الإلكترونية وسيلة لتغيير فكر الشباب وإدخالهم إلى عالم الاقتصاد الرقمي. حيث قال: "قبل 15 عاماً، كانت هناك تحديات فكرية واجتماعية في السعودية، لكنهم قرروا استخدام الرياضات الإلكترونية كجسر للانفتاح على العالم. بدأوا بخطوات عملية، حيث شيدوا بوليفارد ضخماً لاستضافة أبرز لاعبي الرياضات الإلكترونية، واحتضنوا بطولات عالمية، مما جذب انتباه الشركات الكبرى، التي بدورها ساعدت في تطوير التكنولوجيا السعودية واستثمارها في الاقتصاد".
وأصبحت السعودية مركزاً إقليمياً للرياضات الإلكترونية، تجذب إليها استثمارات بمليارات الدولارات، وتوفر فرصاً لشبابها في مجالات التكنولوجيا، الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى.
في العراق، تتوفر المواهب، لكن غياب الاستثمار والدعم الحكومي يدفع الكفاءات إلى الهجرة نحو دول الخليج، حيث يجدون بيئة أكثر احتضاناً لهم. يعلق جعفر على هذه الظاهرة، قائلاً: "لدينا طاقات شبابية هائلة، لكن المشكلة تكمن في عدم وجود توجه حكومي واضح لاستثمارها، بينما تستقطب السعودية والإمارات وقطر المحترفين وتوفر لهم بيئات متكاملة للنمو، نجد أن شبابنا يضطرون للسفر بحثاً عن الفرص. لماذا لا نوفر لهم بيئة جاذبة داخل بلدهم؟ لماذا لا نروج لهذه الصناعة كي تلتفت إلينا الشركات الكبرى وتبدأ الاستثمار لدينا؟".
اعتراف بلا دعم مالي.. وميزانية 2024 تتبخر!
رغم الاعتراف الرسمي بالاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية في عام 2021، إلا أن هذا الاعتراف لم يُترجم إلى دعم مالي أو لوجستي، حيث لا يزال الاتحاد يعاني من غياب التمويل الحكومي، ما يضعف قدرته على تطوير الرياضة الرقمية في البلاد. ويكشف حيدر جعفر، عن التحديات المالية والإدارية التي يواجهها الاتحاد، وكيف أن وعود الدعم الحكومي لم تُنفذ حتى اليوم.
إذ يشير إلى أن "المشكلة الأساسية تكمن في عدم إدراك الجهات الحكومية لحجم القطاع وأثره الاقتصادي، قائلاً: "أعتقد أن الشخصيات المسؤولة عن هذا الملف لا تمتلك إلماماً كافياً بتكنولوجيا المعلومات، وبالتالي، فإنهم لا يدركون تماماً كيف يمكن أن تصبح الرياضات الإلكترونية قطاعاً اقتصادياً مربحاً للعراق. لو أتيحت لنا الفرصة لشرح رؤيتنا لمكتب رئيس الوزراء، لوجدنا دعماً أكبر، خاصة مع توجه الحكومة نحو التحول الرقمي. لكن حتى الآن، هذا التحول لم يشمل قطاعنا بالشكل المطلوب".
إلى جانب غياب الدعم الحكومي، يعاني الاتحاد من نقص حاد في البنية التحتية، إذ يوضح جعفر: "نواجه تحديات كبيرة تتعلق بالمعدات الأساسية مثل الشاشات، المسرح، أجهزة التصوير والصوتيات، وكل ما نحتاجه لتنظيم البطولات. هذه الأمور يجب أن توفرها الحكومة، لكننا حتى الآن نتحملها بالكامل من جيوبنا الخاصة. أكثر من 75% من ميزانيتنا تصرف على هذه الاحتياجات، في وقت لم نستلم فيه ديناراً واحداً من الدولة".
على الرغم من تخصيص ميزانية بقيمة 650 مليون دينار عراقي لدعم الاتحاد في عام 2024، فإنها لم تُصرف حتى اليوم، بل تفاجأ الاتحاد بإلغاء التمويل بأثر رجعي. يوضح جعفر هذا قائلاً: "منذ تأسيسنا، لم نتلقَّ أي دعم مالي من الحكومة. سمعنا أن هناك ميزانية لنا في 2024، لكن حتى اللحظة لم نستلم ديناراً واحداً، بل إن المفاجأة الكبرى كانت عندما أُبلغنا أن هذه الميزانية لن تُصرف ابداً، ولن نحصل عليها حتى بأثر رجعي! كيف يُعقل ذلك؟".
الأزمة لا تتوقف عند غياب الميزانية، بل تمتد إلى الموظفين الذين فرضتهم وزارة الشباب والرياضة على الاتحاد كشرط للاعتراف به، دون أي آلية واضحة لدفع رواتبهم.
"عندما قدمنا طلب الاعتراف بنا، طلبت الوزارة أن نعين أمينا عاماً، أمينا مالياً، محامياً، مدققاً مالياً وغيرهم، وأخبرونا أن رواتبهم ستُصرف عند تخصيص الميزانية. الآن لا توجد ميزانية، فكيف يمكننا أن نتحمل هذه المسؤولية؟ هذا خداع صريح، ونحن تعرضنا للاحتيال في هذه المسألة"، يقول جعفر.
أكاديميات تدريبية.. ولكن
ومع استمرار غياب التمويل الحكومي، يعتمد الاتحاد بشكل كامل على الرعاة والشركات الخاصة لتنظيم البطولات. يكشف جعفر عن التحديات المالية في هذا الجانب قائلاً: "بطولة واحدة فقط كلفتنا 150 مليون دينار، فكيف يمكننا تنظيم أكثر من 18 بطولة في السنة؟ لولا دخول الرعاة لدعمنا، لما استطعنا تنظيم أي بطولة. الحكومة خصصت لنا مبلغ 100 مليون دينار لسد نفقات المقر والاحتياجات العامة، لكن حتى هذا المبلغ لم يصلنا، والآن يُطلب منا الانتظار حتى ميزانية 2025، التي قد تتكرر معها نفس القصة!".
ومنذ عام 2024، وضع الاتحاد خطة لإنشاء أكاديميات تدريبية متخصصة لتطوير المواهب الشابة في مجال الألعاب الإلكترونية، البرمجة، وصناعة الألعاب. لكن هذه الخطة لا تزال معلقة بسبب غياب الدعم، كما يوضح الأمين العام للاتحاد حسن هيثم.
وقال هيثم: "مسؤوليتنا هي تطوير اللاعبين، تحويلهم من هواة إلى محترفين قادرين على المنافسة دولياً وتحقيق دخل مادي مستدام. لكن قد يبقى هذا الطموح بدون تنفيذ وببساطة لأننا لا نمتلك دعماً حكومياً. حتى اليوم، نعتمد فقط على الشركات الأهلية، وهذه الشركات تركز على دعم البطولات لأنها تحقق عائدا ربحياً سريعاً، لكنها لا تستثمر في الجانب الأكاديمي الذي يحتاج إلى تمويل طويل الأمد".
ويؤكد هيثم أن "إنشاء أكاديميات التدريب لن يكون مجرد مشروع رياضي، بل بوابة اقتصادية وفرصة لتنمية المواهب المحلية، بحيث يصبح اللاعبون العراقيون قادرين على المنافسة عالمياً، ورفع اسم العراق في منصات البطولات الدولية".
تنظيم القطاع لمنع الاستغلال والغسيل المالي
ومع التوسع السريع للرياضات الإلكترونية في العراق، ظهرت مخاوف بشأن استغلال اللاعبين من قبل جهات غير قانونية. وهنا يؤكد هيثم على دور الاتحاد في وضع قوانين صارمة لحماية اللاعبين، وضمان خضوع هذه الرياضة للمعايير الدولية، قائلاً: "نحن نعمل على تنظيم القطاع، بحيث لا يتم استغلال الألعاب الإلكترونية في قضايا غير قانونية، مثل غسيل الأموال. هدفنا هو ضمان أن كل شيء يسير وفق قوانين الاتحاد الدولي، الذي نحن جزء منه".
وعلى عكس المفاهيم الشائعة، يؤكد هيثم أن "الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية ليس مؤسسة ربحية، بل جهة حكومية تسعى إلى تحقيق إنجازات للعراق، عبر البطولات الدولية واستقطاب السياحة الرياضية، قائلاً: "الاتحاد ليس منظمة ربحية، بل جهة حكومية تعمل لصالح البلد. نحن لا نبحث عن عائد مالي لأنفسنا، بل نطمح إلى تحقيق إنجازات دولية ترفع اسم العراق، وتساعد في تطوير القطاع السياحي والثقافي، من خلال استضافة البطولات وجذب الفرق الأجنبية للمنافسة على أرضنا".
اللجنة الأولمبية تعترف
ورغم العقبات التي تواجه الاتحاد، برزت اللجنة الأولمبية كأكثر الجهات الحكومية وعياً ودعماً لهذا المجال، مقارنة بوزارة الشباب والرياضة. فقد أصبح الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية يجد في اللجنة الأولمبية شريكاً حقيقياً، خاصة بعد الاعتراف العالمي بهذه الرياضة كرياضة أولمبية. هذا الاعتراف يفتح الباب أمام فرص جديدة لتطوير القطاع داخل العراق وتعزيز حضوره في البطولات الدولية.
جعفر العلوجي، المستشار الإعلامي لرئيس اللجنة الأولمبية، أكد خلال حديث لمنصّة "الجبال": أن "الرياضات الإلكترونية باتت تحظى بحضور واسع في العراق، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، وأصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الرياضي، خاصة بين فئة الشباب".
وأشار العلوجي إلى أن "هذه الرياضة تختلف في طبيعتها عن الرياضات التقليدية، كونها رياضة فكرية تعتمد على المهارات الذهنية والتقنيات الإلكترونية، بدلاً من النشاط البدني. ورغم هذا الاختلاف، فقد أثبتت حضورها القوي على المستوى المحلي والدولي، ما يستدعي دعمها وتنميتها كقطاع رياضي شرعي".
وأضاف: أن "اللجنة الأولمبية تدرك أهمية هذا المجال، وهو معترف به قانونياً ورسمياً، ولذلك نحرص على دعمه ومساندته بما يتناسب مع مكانته المتنامية. أبوابنا مفتوحة دائماً للتعاون مع الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية، بما يسهم في تعزيز هذه الرياضة وتطويرها على المستوى الوطني والدولي".
موهبة عراقية تحترف في عالم الفيفا
ريان عصام.. ليس مجرد لاعب موهوب، بل نموذجاً للإصرار والتفاني في عالم الرياضات الإلكترونية، حيث تمكّن بسرعة قياسية من تحقيق ألقاب محلية ودولية، ومع استمرار نجاحاته، يبدو أن اسمه سيظل حاضراً بقوة في مشهد الألعاب الإلكترونية، محلياً وإقليمياً.
ويبرز ريان (18 عاماً)، كواحد من أبرز لاعبي فيفا (FC 25) في العراق، بعد أن حصد العديد من البطولات المحلية وتأهل لتمثيل العراق في بطولة الشرق الأوسط.
بدأت مسيرة ريان عام 2016، لكنه دخل عالم الاحتراف فعلياً عام 2018، وسرعان ما بدأ في حصد الألقاب. يروي رحلته قائلاً: "في 2019، حققت أول بطولة فيفا على مستوى محافظة كركوك، ومن هناك بدأت الانجازات تتوالى، حيث فزت بأكثر من 13 بطولة على مستوى المحافظة، إلى جانب العديد من البطولات في أربيل وبغداد، وكذلك البطولات الرسمية التي ينظمها الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية".
وفي عام 2024، انضم ريان إلى نادي "بكسل إيسبورت"، وهو أول نادٍ عراقي منظم في الرياضات الإلكترونية، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته كلاعب محترف. ومع بداية نسخة FC 25، واصل تألقه، حيث أصبح أكثر اللاعبين العراقيين تتويجاً بالألقاب، محققًا 7 بطولات خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من إصدار اللعبة الجديد.
لم يقتصر نجاحه على العراق فقط، بل امتد إلى الساحة الإقليمية، حيث شارك مع فريقه في بطولة الشرق الأوسط في السعودية، ليكون "بكسل إيسبورت" أول نادٍ عراقي يسافر خارج البلاد للمشاركة في بطولة رسمية، وبتمويل ذاتي بالكامل.
يقول ريان بفخر: "تأهلنا لبطولة الشرق الأوسط مع نادي بكسل إيسبورت، وسافرنا إلى السعودية لتمثيل العراق. رغم أننا تحملنا التكاليف على حسابنا الشخصي، إلا أن شغفنا باللعبة وإصرارنا على رفع اسم العراق كانا دافعنا الأول." ويؤكد ريان أن شغفه بهذه الرياضة يزداد عاماً بعد عام، ومعه ينمو اهتمام العراق بهذه الصناعة.
بصمة نسوية تقتحم المنافسة
لم تقتصر الرياضات الإلكترونية على اللاعبين الذكور، بل أصبحت ساحة تنافسية تنبض بالمواهب النسوية التي تفرض وجودها بقوة. في العراق، حيث التحديات الاجتماعية والمفاهيم التقليدية قد تشكل عائقاً أمام دخول المرأة إلى مجالات غير مألوفة، ظهرت أسماء نسوية استطاعت أن تحطم هذه الحواجز، وتثبت أن المهارة والشغف لا تعترفان بنوع الجنس.
نور صباح جميل، لاعبة كرة القدم المحترفة، لم تكتفِ بالتألق في المستطيل الاخضر، بل قررت أن تخوض تحدياً جديداً في عالم الرياضات الإلكترونية، لتصبح إحدى أبرز اللاعبات العراقيات في مجال الألعاب الرقمية، محققة إنجازات محلية وعربية، وراسمة طريقاً جديداً للجيل القادم من اللاعبات.
نور، الحاصلة على بكالوريوس في التربية البدنية من جامعة بغداد، بدأت مشوارها الرياضي كلاعبة كرة قدم، حيث مثلت أندية النفط، الجوية، وحالياً الزوراء، تتحدث لـ"الجبال" عن بداياتها في عالم الألعاب الإلكترونية قائلة: "كنت ألعب الألعاب الإلكترونية في وقت فراغي منذ الصغر، إلى جانب ممارستي لكرة القدم. لكن في أحد الأيام، قررت أن أجرب المشاركة في تجمع للألعاب الإلكترونية، وهناك شعرت بانجذاب قوي لهذا المجال. كان الإحساس بالتحدي والتنافسية مختلفاً تماماً، وأدركت أنني أملك مهارات يمكن تطويرها".
مع مرور الوقت، كرست نور المزيد من الوقت لهذا المجال، حتى وصلت إلى مستوى الاحتراف، مما أهلها للمنافسة في البطولات داخل العراق، ثم تمثيل بلدها في بطولة الرياض في السعودية عام 2023، حيث حصدت المركز السابع عربياً، ثم المركز الخامس في عام 2024.
"كانت تجربة رائعة ومليئة بالتحديات، وأتمنى أن تتكرر هذه الفرصة في بلدي العراق، حيث نحتاج إلى تنظيم بطولات محلية كبرى تعزز من مكانتنا على الساحة الدولية." تقول نور.
نجاح نور صباح جميل في عالم الرياضات الإلكترونية وكرة القدم التقليدية يعكس صورة جديدة للمرأة العراقية في الرياضة، وإن دعم المواهب النسوية في هذا المجال سيعزز حضور العراق في الرياضات الإلكترونية عالمياً، ويمنح اللاعبات فرصة أكبر لتحقيق طموحاتهن.
رسالة للأهالي: لا تمنعوا أبناءكم من هذه الرياضة
في قلب منطقة السيدية ببغداد، يدير حسين العتابي قاعة للألعاب الإلكترونية، حيث يجتمع الشباب يومياً لممارسة هوايتهم في بيئة منظمة وآمنة. وبينما يواجه قطاع الألعاب الإلكترونية انتقادات مستمرة، يرى العتابي أن هذه النظرة تحتاج إلى إعادة تقييم، حيث قال: إن "هناك فكرة خاطئة لدى البعض بأن الألعاب الإلكترونية مجرد إدمان وتفريغ للجيوب، لكنها في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير. في قاعتي، أرى كيف يمكن لهذه الألعاب أن تكون متنفساً للشباب، وتمنحهم فرصة لقضاء وقت ممتع بطريقة منظمة وآمنة. بدلاً من الانجراف نحو المخدرات أو الاتجاهات السلبية التي تدمر المجتمع، يجدون هنا بيئة تنافسية تحفز عقولهم وتمنحهم شعوراً بالإنجاز".
"نحن نوفر بيئة تنافسية محترمة، حيث يمكن للشباب الاجتماع، بناء الصداقات، وتطوير مهاراتهم. الأهل الذين كانوا يخشون من هذه الألعاب بدأوا يفهمون أن البديل قد يكون أخطر بكثير، وأن وجود أبنائهم في مكان آمن يمارسون هوايتهم أفضل من أن يكونوا في بيئات غير صحية." يقول العتابي.
معركة بقاء
وبالعودة الى رئيس الاتحاد العراقي للرياضات الإلكترونية، حيدر جعفر، الذي أشار إلى أن الاستثمار في هذا القطاع لا يزال يواجه تحديات كبرى، أكد أن "القطاع الخاص يعاني من تعقيدات بيروقراطية تجعل تأسيس المشاريع أمراً مرهقاً، خصوصاً للشباب الذين لا يمتلكون غطاءً سياسياً أو دعماً من جهات حزبية نافذة، بحسبه".
ويقول جعفر: إن "فتح مشروع خاص في العراق يتطلب إنفاق مبالغ طائلة، دون أي ضمانات للنجاح، وهو ما يُنهك رواد الأعمال ويدفعهم للهروب نحو الوظائف الحكومية، بسبب المضايقات المالية وغياب الحماية القانونية. إذا كانت الحكومة تعاني من تضخم في عدد الموظفين وترغب في تعزيز القطاع الخاص، فعليها أولاً تقليل الجهد الاستنزافي المفروض على المستثمرين، وخلق بيئة مشجعة بدلاً من تقييدهم بالجباية والبيروقراطية".
أما فيما يتعلق بقدرة العراق على تنظيم بطولات عربية ودولية للرياضات الإلكترونية، يؤكد جعفر أن "الإمكانات موجودة، لكن العراق يفتقر إلى التعاملات اللوجستية السلسة التي تسهّل استضافة الفرق الأجنبية".
ويضيف: "لقد استطعنا استضافة بطولة الخليج، وبإمكاننا تنظيم بطولات عربية ودولية للرياضات الإلكترونية، لكننا بحاجة إلى دعم رسمي حقيقي من الحكومة، وزارة الشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية. هذا القطاع يتطلب اهتماماً جاداً، وليس مجرد وعود أو إجراءات شكلية".
وحول المشاركات المقبلة، يكشف جعفر عن استعدادات العراق للتصفيات المؤهلة إلى كأس العالم في الرياضات الإلكترونية، والتي ستُختتم نهاية شهر شباط، بالإضافة إلى تحضيرات المنتخب للمشاركة في بطولة العرب في الأردن، وبطولة كأس العالم.
ويتابع: "نحن حالياً نُجري التصفيات لاختيار اللاعبين الذين سيمثلون العراق في كأس العالم، كما نستعد للمشاركة في بطولة أولمبياد الشباب في البحرين، وبطولة التضامن الإسلامي، والبطولة الآسيوية، إلى جانب عدة بطولات دولية سنكون حاضرين فيها.
ويختتم حيدر حديثه بتساؤل مهم: "لدينا شباب موهوبون، ولدينا شغف وحضور دولي، لكن لماذا لا نستثمر هذه الطاقات بشكل صحيح؟ لماذا لا نوفر بيئة تتيح لهم صناعة الألعاب بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها؟ إذا لم نتحرك الآن، سنبقى مجرد سوق استهلاكي بدلاً من أن نصبح دولة منتجة في هذه الصناعة العالمية المتنامية".