في مشهد يراه عديدون أنه يختصر الإهمال وتراكم القرارات المؤجلة يقف أكثر من 250 موظفاً حكومياً في محافظة ذي قار يومياً تحت خطر حقيقي، وهم يزاولون أعمالهم داخل بناية آيلة للسقوط، من دون أي حلول حكومية محلية أو مركزية تلوح في الأفق.
عضو مجلس النواب العراقي، علا عودة الناشي، كشفت أن بناية مديرية الزراعة في ذي قار باتت تشكّل خطراً مباشراً على حياة الموظفين، مؤكدة أن تقارير الدفاع المدني أوصت بإخلاء البناية "فوراً" بسبب وضعها الإنشائي الحرج.
ورغم خطورة الموقف، تشير الناشي إلى غياب أي تحرك جاد من الجهات المحلية لمعالجة الأزمة أو حتى تقليل مخاطرها.
من جهته، أقرّ رئيس مجلس محافظة ذي قار، عزة الناشي، لمنصة "الجبال" بخطورة الوضع، مؤكداً أن "البناية غير صالحة للعمل وفق مخرجات الدفاع المدني"، إلا أن المحافظة بحسب قوله لا تمتلك بناية شاغرة يمكن نقل المديرية إليها.
وأوضح أن إدارة الدائرة طرحت حلاً مؤقتاً يتمثل بنصب كرفانات في الساحات المحيطة بالبناية "كإجراء إسعافي" لتخفيف حدة الخطر ومنع وقوع كارثة محتملة. ولفت إلى أن هناك مخاطبات من قبلهم الى موجهة إلى وزارة الزراعة الا انه قوبل بصمت وعدم تفاعل فعلي.

مصدر في مديرية الزراعة كشف تفاصيل أكثر خطورة لمنصة "الجبال"، مبيناً أن البناية تتكون من خمسة طوابق تضم 105 غرف ويعمل فيها نحو 260 موظفاً، إضافة إلى استقبالها قرابة 200 مراجع يومياً.
وأوضح أن البناية أُنشئت عام 1978 ودخلت الخدمة عام 1982، أي أن عمرها تجاوز 43 عاماً، ما يجعلها خارج المواصفات الآمنة للاستخدام الحالي.
وأضاف أن الخيارات المتاحة تقتصر على الإخلاء الكامل أو الشروع بترميم شامل عبر التعاقد مع مكتب استشاري هندسي مختص لتحديد مواقع الخلل ومعالجتها، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أي تخصيص مالي، سواء من الحكومة المحلية أو المركزية، رغم كثرة المخاطبات.

وفي سياق متصل، كشف مصدر في مديرية الدفاع المدني في ذي قار أن "دور المديرية ينحصر بتشخيص الأبنية الآيلة للسقوط وإبلاغ البلدية المختصة حسب الرقعة الجغرافية، لتتولى الأخيرة الإجراءات الإدارية اللازمة". ولفت إلى أن المحافظة تضم ما لا يقل عن 104 بنايات آيلة للسقوط، بين حكومية وأهلية، في مؤشر خطير على حجم التهديد الصامت الذي يحيط بحياة المواطنين والموظفين على حد سواء.

في عام 2023 خرج عشرات الموظفين في مديرية الزراعة بذي قار بوقفة احتجاجية أمام المبنى، مدفوعين بمخاوف متصاعدة من احتمال انهياره، مطالبين الحكومة المحلية آنذاك بالإخلاء الفوري وإيجاد بديل آمن، حفاظاً على أرواحهم وأرواح المراجعين الذين يتوافدون يوميًا إلى الدائرة.
وكشفت مديرية الدفاع المدني العامة في العراق في تصريح سابق عن وجود أكثر من 2500 بناية آيلة للسقوط في عموم البلاد، ما يشكّل تهديداً مباشراً لسلامة المواطنين وعلى إثر ذلك جرى في حينها تشكيل لجنة مركزية بأمر ديواني صادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء تُعنى بمعالجة أوضاع هذه الأبنية، برئاسة مدير عام التصاميم في وزارة الإعمار والإسكان وعضوية مدير الدائرة الهندسية في الدفاع المدني، إلى جانب مهندس استشاري مختص، في محاولة لاحتواء هذا الملف الخطير والحد من مخاطره المتصاعدة.
بالمقابل، قال عضو مجلس محافظة ذي قار أحمد سليم، إن المجلس وجّه كتباً رسمية إلى حكومة المحافظة تطالب بإخلاء البناية فوراً، نظرا لما تشكّله من خطر على سلامة العاملين فيها.
وأكد سليم أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد اتخاذ إجراءات عملية لمعالجة هذا الملف وإيجاد بديل مناسب، مشيراً إلى أن الحل المطروح قد يكون مؤقتاً ولا يرقى إلى المستوى المطلوب لطبيعة عمل الدائرة لكنه يأتي في إطار تقليل المخاطر ومنع وقوع أي حادث محتمل.

وكشفت وثائق رسمية صادرة عن مديرية زراعة ذي قار عن مخاطبات وجّهتها إلى مكاتب استشارية هندسية متخصصة، لإجراء كشف فني شامل يهدف إلى تحديد مواضع الخلل وتنفيذ أعمال صيانة عاجلة، في محاولة لدرء خطر الانهيار والحفاظ على سلامة البناية.
وبحسب تلك الوثائق، بلغت كلفة الكشف الفني وحده نحو 50 مليون دينار، إلا أن حكومة المحافظة عجزت عن تأمين هذا المبلغ، رغم المخاطبات المتكررة الموجهة إلى ديوان المحافظة.
كما أظهرت الوثائق اعتذار الديوان عن عدم توفير بناية بديلة لإشغالها من قبل مديرية الزراعة، ما أبقى الموظفين والمراجعين في مواجهة خطر مفتوح دون حلول فعلية.

وشهدت مديرية التقاعد في ذي قار خلال شهر آذار الماضي، حادث انهيار جزئي بعد تساقط أجزاء خرسانية من الطابق الثاني في واقعة أثارت حالة من الهلع وشكّلت خطراً مباشراً على الموظفين والمراجعين.
وفي حينها أعلنت مديرية الدفاع المدني أنها سارعت إلى موقع الحادث، حيث باشرت بإخلاء الجزء المتضرر من البناية، مع الإبقاء على القاعات الخارجية المفتوحة لضمان استمرار إنجاز معاملات المواطنين وتفادي تعطّل العمل.
وبين تقارير تحذّر وموظفين تحت الدوام اليومي وحكومة تتبادل المسؤوليات، تبقى بناية الزراعة في ذي قار شاهدة على أزمة أكبر من جدران متصدعة.. أزمة قرارات مؤجلة قد لا تنتظر طويلاً قبل أن تتحول إلى فاجعة.

مبنى مديرية زراعة ذي قار