البصرة تطالب الحكومة الاتحادية بتسديد مستحقاتها من "البترودولار" و"إنصاف المحافظة": العائدات لا تناسب الحجم

البصرة تطالب الحكومة الاتحادية بتسديد مستحقاتها من "البترودولار" و"إنصاف المحافظة": العائدات لا تناسب الحجم قارب في شط العرب بالبصرة

ست ترليونات متراكمة

لا يُدار ملف البترودولار في العراق بوصفه مسألة مالية خالصة، بل كجزء من معادلة سياسية مركّبة تتحكم بها طبيعة النظام الاتحادي وموازين القوة بين المركز والمحافظات المنتجة، وآليات إدارة الريع النفطي، وفي هذا السياق تتحول مستحقات محافظة البصرة المتراكمة منذ عام 2010 إلى مؤشر واضح على اختلال بنيوي في توزيع العائدات، رغم كون المحافظة تمثل القاعدة الإنتاجية الأولى للنفط في البلاد. 

 

بهذا الشأن، كشف رئيس لجنة المالية في مجلس محافظة البصرة، شكر العامري، أن المحافظة تطالب الحكومة الاتحادية منذ عام 2010 بتسديد أكثر من 6 تريليونات دينار عراقي تمثل مستحقاتها المتراكمة من عائدات البترودولار، مؤكداً أن "هذه المبالغ لم تُصرف حتى الآن، رغم مرور أكثر من عقد على إقرار هذا الاستحقاق القانوني".

 

وأوضح العامري في حديث لمنصة "الجبال" أن "التخصيصات التي تصل فعلياً إلى البصرة من عائدات البترودولار ما تزال محدودة وبسيطة، ولا تتناسب مع حجم المحافظة، ولا مع الأعباء الخدمية والبيئية المتراكمة عليها"، واصفاً إياها بأنها "أموال هامشية لا تكفي لتنفيذ مشاريع خدمية أو تنموية حقيقية على أرض الواقع".

 

وبيّن العامري أن محافظة البصرة تُعدّ المنتج الأول للنفط في العراق بنسبة تقارب 90 بالمئة من إجمالي الإنتاج الوطني، وتسهم بشكل مباشر في تغطية الموازنة العامة للدولة، في وقت تتحمل فيه تبعات جسيمة نتيجة النشاط النفطي من تلوث بيئي واستنزاف للبنى التحتية وارتفاع في معدلات الطلب على الخدمات الأساسية دون أن يقابل ذلك إنصاف مالي يتناسب مع هذا الدور.

 

أشار رئيس اللجنة المالية في مجلس محافظة البصرة إلى أن "مستحقات البترودولار تمثل حقاً دستورياً  وقانونياً لمحافظة البصرة، وليست منحة أو تخصيصاً طارئاً"، داعياً الحكومة المركزية إلى "الالتزام بتسديد المتأخرات المالية المتراكمة وإنصاف المحافظة بما يمكّنها من تنفيذ مشاريع استراتيجية تعالج الأزمات المزمنة وتلبّي احتياجات مواطنيها".

 

فجوة تنموية

من جانبه، أكد الخبير النفطي عدنان هاني، لـ "الجبال" أن العائدات المالية المتحققة من إنتاج النفط في البصرة تفوق بكثير ما يعود إلى المحافظة فعلياً ضمن تخصيصات البترودولار، مشيراً إلى أن الفجوة بين حجم الإنتاج وحجم الإيرادات المحلية تمثل خللاً واضحاً في آلية توزيع الثروة.

 

وأوضح الخبير أن البصرة، التي تنتج ما يقارب 90 بالمئة من النفط العراقي، تضخ يومياً ملايين البراميل التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إلا أن انعكاس هذه العائدات على الواقع الخدمي والتنموي للمحافظة لا يزال محدوداً، بسبب عدم الالتزام الكامل بتسديد مستحقات البترودولار المتراكمة.

 

لفت هاني إلى أن "تخصيصات البترودولار صُممت أساساً لتعويض المحافظات المنتجة عن الأضرار البيئية والضغط على البنى التحتية، فضلاً عن دعم مشاريع التنمية المستدامة، إلا أن تقليص هذه التخصيصات أو تأخيرها أفقدها جدواها الاقتصادية، وحوّلها إلى أرقام لا تتناسب مع حجم الضرر ولا مع الإيرادات الضخمة المتحققة من النفط".

 

وأضاف أن تسديد مستحقات البصرة المالية بشكل كامل ومنتظم من شأنه أن ينعكس مباشرة على تحسين الخدمات، وتطوير البنى التحتية وتقليل الفجوة التنموية بين المحافظة وبقية المناطق، محذراً من أن استمرار هذا الخلل سيبقي البصرة خارج معادلة العدالة الاقتصادية رغم كونها المحرّك الرئيس لإيرادات الدولة. 

 

تداعيات "خطيرة"

من جهته، حذّر الخبير البيئي علاء البدران، عبر "الجبال"، من التداعيات الصحية الخطيرة لعمليات استخراج النفط وحرق الغاز المصاحب في محافظة البصرة، مؤكداً أن المناطق القريبة من الحقول والمنشآت النفطية سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية خلال السنوات الأخيرة.

 

وأوضح الخبير أن بيانات غير رسمية وتقارير صحية محلية تشير إلى أن بعض مناطق البصرة شهدت زيادة في حالات الإصابة بالسرطان بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30 بالمئة مقارنة بسنوات سابقة، لاسيما سرطانات الجهاز التنفسي والدم وهو ما يُعزى بشكل مباشر إلى التلوث الهوائي والمائي الناتج عن الانبعاثات النفطية وتسرب الملوثات إلى التربة والمياه.

 

بيّن البدران أن حرق الغاز المصاحب يطلق مركبات خطرة مثل البنزين والديوكسينات وأكاسيد الكبريت، وهي مواد مصنّفة عالمياً كمسرطنة، مشيراً إلى أن المستشفيات في بعض الأقضية القريبة من الحقول النفطية تسجّل مئات الحالات الجديدة سنوياً، في وقت تفتقر فيه هذه المناطق إلى برامج رصد بيئي مستمرة أو خطط علاجية مدعومة.

 

وأضاف الخبير أن "البترودولار" شُرّع أساساً لمعالجة هذا النوع من الأضرار الصحية والبيئية، إلا أن عدم تسديد مستحقات البصرة المالية حرم المحافظة من إنشاء مراكز رصد للتلوث، ودعم القطاع الصحي وتمويل برامج الوقاية والكشف المبكر، محذراً من أن استمرار هذا الإهمال سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية وارتفاع الكلف البشرية والاقتصادية مستقبل. 

 

إلزام قانوني

بدوره، قال الخبير القانوني عدنان حسين، لمنصة "الجبال" إن "استمرار هذا الخلل يمنح الحكومة المحلية وممثلي المحافظة أدوات قانونية ورقابية متعددة، من بينها اللجوء إلى البرلمان والرقابة القضائية، للمطالبة بإلزام الحكومة الاتحادية بتسديد المستحقات"، مؤكداً أن "معالجة هذا الملف لم تعد خياراً سياسياً بل التزاماً قانونياً لا يمكن تجاوزه أو ترحيله".


الجبال

نُشرت في الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:45 م

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2026 الجبال. كل الحقوق محفوظة.