لعل أيام المرأة الأربعينية، استقلال عطية، لا تُقاس بعدد الساعات بل بعدد الجرعات العلاجية ومواعيد سفرها نحو بغداد تارة والبصرة تارة أخرى، ولا يكون الحديث عن المرض مجرّد أرقام في تقارير رسمية، بل وجوها شاحبة، وأجساداً أنهكها الانتظار وحقائب تُحزم كل مرة باتجاه المحافظات بحثاً عن علاج مفقود.
استقلال تحدثت لمنصة "الجبال" ليس بلسانها فقط، بل بصوت مئات العائلات التي تحوّل السرطان في بيوتها إلى ضيفٍ ثقيل، تقول إن أعداد الإصابات "هائلة"، وإن مستشفى الأورام نفسه شاهد على نقص العلاج والأجهزة الطبية وفي بعض المنازل كما تصف، لا توجد إصابة واحدة بل اثنتان أو أكثر، كأن المرض قرر أن يستوطن العائلة كاملة.
استقلال ليست رقماً في سجلّ المرضى، هي أم ومريضة ورفيقة رحلة علاج قاسية تذهب إلى بغداد لتلقي العلاج، وكل جلسة تكلفها أكثر من مليون دينار بين أجور ونقل وإقامة وابنتها مصابة، وأخوها مصاب أيضاً "لا أعرف السبب"، إذ يبقى سؤال الأسباب معلقاً بلا إجابة واضحة، فيما الإصابات تتزايد.
"أم أركان"، قصة أخرى من الوجع ذاته، السفر خارج المحافظة ليس خياراً بل ضرورة، فحص "البيت سكان" وحده يحتاج إلى 700 ألف دينار سواء في بغداد أو البصرة أما داخل ذي قار فالعلاج غير مكتمل، ما يدفع المرضى إلى طرق طويلة ومكلفة. أم أركان تعافت عام 2023، لكنها اليوم تواجه عودة المرض في العمود الفقري والكبد، وتقول إن الأعداد "كبيرة ومخيفة".
بين هاتين الشهادتين، تتشكل صورة أزمة صحية صامتة، إصابات تتزايد مع علاج ناقص وأجهزة غائبة، ومرضى يدفعون ثمن المرض مرتين مرة بأجسادهم، ومرة بقدرتهم على تحمّل كلفة الحياة، ومطلبهم هو اهتمام حكومي في توفير الأجهزة وفتح أبواب العلاج داخل المحافظة، قبل أن يتحول السرطان من مرضٍ يُقاوَم إلى قدرٍ جماعي لا مهرب منه.
بهذا الشأن، كشف مدير "مركز الحبوبي" للأورام السرطانية، الدكتور عادل العميري، لمنصة "الجبال" عن تفاصيل الطاقة الاستيعابية والخدمات الطبية التي يقدمها المركز في ظل الارتفاع المستمر بأعداد مراجعيه، مؤكداً أن المركز يعمل حالياً عند حدود قدرته القصوى لتلبية احتياجات المرضى.
وأوضح العميري أن المركز يمتلك 70 كرسياً مخصصاً لإعطاء الجرعات الكيمياوية إلى جانب 60 سريراً للرقود ما يجعل الطاقة الاستيعابية الكلية تصل إلى 120 مريضاً يومياً، وهي أعداد يتم استيعابها بشكل منتظم.
وأضاف أن هذه الأرقام لا تشمل المرضى الذين يراجعون المركز لغرض استلام العلاجات الدوائية مثل الكبسولات والحبوب أو لإجراء المتابعة الدورية.
وأشار مدير المركز إلى أن الكوادر التمريضية المتوفرة حالياً تُعد "كافية" في الوقت الراهن، إذ يبلغ عددها نحو 75 ممرضاً وممرضة، إلى جانب وجود أربعة أطباء اختصاص، يعملون على ضمان استمرارية تقديم الخدمات العلاجية وفق الإمكانات المتاحة.
لكن العميري لفت في الوقت ذاته إلى وجود نقص في بعض التخصصات الطبية الحيوية، أبرزها اختصاص الأشعة والطب النوعي، مؤكداً أن هذين التخصصين غير متوفرين حالياً في المركز.
وبيّن أن طبيب علاج الأشعة المتوفر يعمل بنظام جزئي فهو يتواجد يومين في مركز الحبوبي ويومين في مستشفى الناصرية التعليمي على الأجهزة الاشعاعية ما يحدّ من القدرة على توسيع الخدمات الإشعاعية داخل المركز.
وتعكس هذه المعطيات حجم التحديات التي يواجهها مركز الحبوبي للأورام السرطانية، في وقت تتزايد فيه أعداد الإصابات وسط مطالبات بتعزيز الملاكات الطبية واستقطاب التخصصات النادرة لضمان تقديم خدمة علاجية متكاملة تقلل من معاناة المرضى وتخفف أعباء تنقلهم خارج المحافظة.
وكشف مجلس السرطان في العراق عن آخر احصائية أعلنها للمصابين خلال عام 2024 نحو 46 ألفاً و390 حالة في مؤشر يعكس تصاعداً مقلقاً في معدلات الإصابة.

أحدث غحصائية لإصابات السرطان في محافظات العراق
وأظهرت البيانات أن الفئة العمرية الأكثر تضرراً هي ما بين 50 و59 عاماً، إذ سُجِّلت 4714 إصابة بين الأعمار من 50 إلى 54 عاماً، فيما ارتفع العدد إلى 5051 إصابة ضمن الفئة من 55 إلى 59 عاماً، ما يشير إلى ذروة إصابات في سنّ يُفترض أن يكون في ذروة العطاء.
وعلى مستوى المحافظات، كشفت الإحصائية عن تسجيل 2090 إصابة في محافظة ذي قار وحدها، توزعت بين 949 رجلاً و1141 امرأة، لتؤكد حجم العبء الصحي المتزايد الذي تواجهه المحافظة، وسط مطالبات بتعزيز الخدمات الطبية وتوفير مستلزمات التشخيص والعلاج.
رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة ذي قار، الدكتور أحمد غني الخفاجي، بيّن أن مشروع المستشفى التخصصي لمرضى السرطان الذي ينفذ ضمن تخصيصات شركة نفط ذي قار وصل إلى نسبة إنجاز بلغت 80%، مشيراً إلى أن العمل جارٍ لاستكماله خلال عام 2026 ودخوله الخدمة الفعلية.
وأشار الى أرقام عالية بعدد الاصابات في ذي قار، حيث أعداد المصابين في المحافظة تُقدَّر بنحو 10 آلاف مصاب، ما يجعل الإسراع بإنجاز المستشفى ضرورة ملحّة لتخفيف معاناة المرضى وتقليل أعباء السفر خارج المحافظة بحثاً عن العلاج.
بين شهادات مرضى يطاردهم الألم ومراكز تعمل عند أقصى طاقتها وإحصاءات تكشف اتساع رقعة الإصابة، تتضح ملامح أزمة صحية تتطلب أكثر من وعود وخطط مؤجلة، فالمستشفى التخصصي المرتقب يظل بارقة أمل، لكنه لن يكون كافياً ما لم يُستكمل بدعم حقيقي وتوفير أجهزة تشخيص مبكر، واستقطاب اختصاصات نادرة، وسياسات وقائية تبحث بجدية في أسباب تفشي المرض.

مركز ذي قار التخصصي للأورام