صور| مهن تراثية على حافة الاندثار.. هل ستكون "صناعة الصرايف" آخر الأعمال القديمة؟

صور| مهن تراثية على حافة الاندثار.. هل ستكون "صناعة الصرايف" آخر الأعمال القديمة؟

نساء الأهوار يتمسكن بالمهنة رغم الشحّ وغياب الدعم

بين ماءٍ يتراجع وقصبٍ يختفي بصمت، تقف مهنٌ تراثية عمرها مئات السنين على حافة الاندثار في أهوار جنوب العراق هنا، حيث كانت الصرائف تُبنى من خيرات الطبيعة وتُنسج السلال من قلب الهور، تخوض نساء الأهوار اليوم معركةً مزدوجة مع تغيّرٍ مناخي قاسٍ سحب منهن مورد الرزق ومع غياب دعمٍ كافٍ يهدد بفقدان آخر ما تبقى من هوية المكان. 


أم حسين التي تجلس وسط صريفتها وهي تُمسك عيدان القصب وتتفقدها بعين خبيرة تقول لمنصة "الجبال" بصوتٍ هادئ يخفي مرارةً قديمة: "هذا القصب نأتي به الآن عبر تاجر، بعدما كان يحيط بنا من كل جانب، نصنع منه الحصيرة القصبية والسلال، لكن شحّ المياه أنهى القصب تقريباً.. لم يعد مصدرنا كما كان".


كانت أم حسين، مثل كثيرات غيرها تعتمد على القصب كمورد رزقٍ أساسي من بيع الحصر إلى صناعة "الصرايف" التي يقصدها السياح وبعض الأهالي للجلوس والاستراحة. وهي تضيف أن "صناعة الصريفة تصل إلى مئة ألف دينار، بمساحة مترين عرضاً وثلاثة أمتار طولاً وارتفاع مترين هذا عملنا، وهذه حياتنا".


غير بعيدٍ عنها، تشاركها أم داخل القصة ذاتها لكن بتفاصيل أشد قسوة، فشحّ القصب في الأهوار دفع بمن يحاول الحصول على هذه الصناعة التراثية الى جلب المادة الأولية "القصب" من بغداد بحسب قولها. وتكمل حديثها لنا وهي تقشر العيدان بحركاتٍ متقنة: "نقشر القصبة بازالة الغشاء الخفيف فوق كل واحدة منها وتبقى المادة القوية، ثم نقطع القصب من المنتصف ليكون سهل الاستخدام بعدها نصنع الحصيرة لتكون جاهزة لصناعة الصريفة".


عملٌ شاق يبدأ من تقشير القصب ولا ينتهي عند آخر خيطٍ يُنسج، لكنه السبيل الوحيد لـ"لقمة العيش".

 


ويكمّل هذا المشهد الإنساني حديث حيدر سعدي، رئيس لجنة التغيرات المناخية في ذي قار، لمنصة "الجبال"، الذي يرى أن ما تعيشه نساء الأهوار اليوم لا يقتصر على شحّ المياه، بل يمتد إلى "تهديدٍ حقيقي" لموروثٍ مهنيّ ضارب في عمق التاريخ.


يقول سعدي إن التغيرات المناخية ألقت بظلالها الثقيلة على جميع الحِرَف التراثية في الأهوار، محذراً من اندثار بعض المهن التي شكّلت على مدى عقود طويلة هوية المكان وسكانه. 

 


ويضيف: "مهن مثل تربية الجاموس وصناعة الحليب ومشتقاته وصناعات القصب والخوص ليست مجرد أعمال يومية، بل تراث يحتاج إلى خبرة متوارثة وعمق تاريخي ولا يمكن تعلّمه أو تعويضه بسهولة".


وفي محاولةٍ لوقف هذا التراجع، يشير سعدي إلى برامج أُطلقت بالتنسيق مع منظمات محلية ودولية، شملت إنشاء بازارات داخل الأهوار لتعزيز القدرة الشرائية وتسويق المنتجات التراثية، إلى جانب تخصيص جناح خاص في متحف مدينة أور السياحية لعرض صناعات الأهواريين بوصفها جزءاً من الذاكرة العراقية الحيّة. 

 

كما جرى التنسيق مع بعض المنظمات والمصارف لتقديم منح مالية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بشرط أن تُستثمر في دعم أعمالهن الريفية.

 


وحول تمكين المرأة، يقرّ سعدي بأن البرامج القائمة ما تزال محدودة ولا ترتقي إلى حجم التحدي، موضحاً أن الدوائر المعنية تحتاج إلى تخصيصات مالية وتشريعات داعمة تُسهم في إطلاق مشاريع مُدرّة للدخل. 


ويؤكد أن هذه الجهود تأتي انسجاماً مع توجيهات وزارة الزراعة والحكومة بشأن استخدام الأدوات الزراعية الذكية في المناطق الزراعية، حيث جرى بالتنسيق مع الأمم المتحدة تدريب عدد محدود من النساء الفلاحات في مناطق مثل الجبايش والغراف ومنحهن مبالغ غير مستردة تراوحت بين 800 و900 دولار لتنفيذ مشاريع تستخدم التقنيات الحديثة من قبيل البيوت البلاستيكية.


ويختم سعدي حديثه بالإشارة إلى بُعدٍ سياحيّ مهم، يتمثل في أن "الكثير من السياح لا يفضّلون الإقامة في الفنادق عند زيارتهم الأهوار، بل يختارون السكن داخل الصرائف القصبية، بحثاً عن تجربة العيش الأصيل والتعرّف عن قرب على نمط الحياة الأهوارية، وهو ما يجعل من حماية هذه المهن ودعم النساء العاملات فيها ضرورةً اقتصادية وثقافية، لا تقل أهمية عن إنقاذ المياه نفسها".

 


وتضيف قراءةٌ علمية أعمق إلى هذا المشهد ما تطرحه (منار ماجد)، التدريسية في جامعة ذي قار والمختصة في جغرافية البيئة، التي ترى أن ما تقوم به نساء الأهوار من صناعة القصب والصرايف والسلال لا يندرج فقط ضمن الحِرَف التراثية، بل يدخل في صميم التنمية الاقتصادية وآليات التكيّف مع التغيرات المناخية.


توضح ماجد أن هذه الأعمال تمثل وسيلة حقيقية لتأقلم النساء مع الواقع البيئي الجديد، إلا أن هذا التكيّف بات مكلفاً وقاسياً، ففي السابق كانت المرأة الأهوارية تحصل على القصب من بيئتها المباشرة من الهور نفسه دون كلفة تُذكر، وكان مردود العمل يعود عليها بالكامل، أما اليوم فقد تغيّر المشهد جذرياً إذ بات القصب يُجلب من مناطق بعيدة مثل "هور أم الودع"، وكانت رحلة جمعه سابقاً عندما كان المياه متوفرة تستغرق نحو أربع ساعات، بينما يُجلب الآن عبر تجار ما يفرض كلفاً مالية إضافية تثقل كاهل النساء العاملات في هذه المهنة.

 


وتشير الأكاديمية إلى أن "هذا التحول أفقد المرأة الأهوارية جزءاً كبيراً من عائدها الاقتصادي، إذ أصبح ربحها هامشياً بعد أن تحمّلت نفقات شراء المادة الأولية، بدل الحصول عليها من الطبيعة كما في السابق". وتقول إن "استمرار هذا الواقع دون دعم، سيجعل هذه المهن مهددة بالتراجع، رغم أهميتها الاقتصادية والاجتماعية".


ترى ماجد أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في تقديم منح مالية مباشرة للنساء الأهواريات، بما يمكّنهن من توظيف هذه الأعمال وتحويلها إلى مصدر دخل مستدام يساعدهن على التكيّف مع الأوضاع المناخية والاقتصادية الراهنة، مؤكدة أن "هذا الجانب، يُعدّ حجر الأساس في أي سياسة جادة لدعم الأهوار وسكانها".

 


وتكشف المختصة البيئية أن عدد النساء العاملات في صناعة القصب، لاسيما في مجال الصرايف والسلال الصغيرة، يُقدّر بنحو 1500 امرأة في أهوار الجبايش والمناطق المحيطة بها، وهو رقم يعكس حجم هذه المهنة وأهميتها، ويؤكد أن "دعم المرأة الأهوارية لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة لحماية الإنسان والتراث معاً".

 


من جهته، كشف مدير الهجرة في محافظة ذي قار بسام الغزي لـ"الجبال" أن أعداد العائلات النازحة نتيجة التغيرات المناخية في عموم المحافظة تجاوزت 10 آلاف و550 عائلة منذ عام 2022.


وأوضح الغزي أن الجهات المعنية باشرت بتقديم دعمٍ للمتضررين، حيث جرى توزيع 1000 حصة غذائية خلال شهر كانون الأول 2025 في محاولة للتخفيف من وطأة النزوح والظروف المعيشية الصعبة التي فرضتها التحولات المناخية على آلاف الأسر في المحافظة.

 


الجبال

نُشرت في الأحد 25 يناير 2026 10:00 ص

شارك هذا المنشور

ما رأيك في هذا المنشور؟
أعجبني لم يعجبني

اشترك في النشرة البريدية

© 2026 الجبال. كل الحقوق محفوظة.