في السابعة عشرة من عمره يمضي حسنين أيامه وهو يواجه عالماً لا يشبه عوالم أقرانه، عالمٌ رسمه طيف التوحد منذ طفولته المبكرة، ومنذ تلك اللحظة الأولى لم يكن والده حامد ماجد مجرد أب بل اصبح رفيق رحلة طويلة، يحاول أن يقود ابنه نحو حياة أقرب إلى الطبيعية، حيث السلوك العادي والاندماج مع الآخرين.
بدأت القصة حين لم يكن حسنين قد تجاوز عامه الثالث، يوم لاحظ والده تأخره في النطق، قلقٌ قاد إلى بحث، وبحثٌ قاد إلى تشخيص صادم "طيف التوحد"، لم تكن الصدمة سهلة لكنها كانت نقطة تحوّل دفعت العائلة وعلى رأسها الأب إلى مواجهة الواقع بإصرار لا يعرف الاستسلام.
في قضاء "سوق الشيوخ" جنوب الناصرية، يروي حامد بحزنٍ ممزوج بالإرادة سنوات طويلة قضاها متنقلاً بين الأطباء والمراكز العلاجية في رحلة شاقة لم تكن خالية من الخيبات فالدعم الحكومي كان محدوداً، ما اضطره إلى طرق أبواب المراكز الخاصة، متحملاً أعباء تفوق قدرته فقط كي لا يُحاصر ابنه داخل تشخيصه.
ومع مرور الوقت، تشكّل لدى حامد يقينٌ راسخ بأن التوحد ليس عائقاً عضوياً بقدر ما هو تحد سلوكي ونفسي، يحتاج إلى صبر يومي وحضور دائم، وهكذا أعاد ترتيب حياته حول ابنه يبدأ نهاره بإيصاله إلى المركز التخصصي حيث يمضي حسنين ساعات الصباح في التدريب والتأهيل، وحين يعودان إلى المنزل لا تنتهي الرحلة بل تبدأ مرحلة أخرى.
يرافقه الأب إلى الأسواق والمقاهي محاولةً تلو الأخرى لفتح نوافذ المجتمع أمامه، وفي المساء تجتمع الأسرة حول واجباته الدراسية، حيث تشارك الأم بصبرها، ويكمل الأب دوره كداعِمٍ لا يغيب.
سبع إلى ثماني ساعات يومياً، يهبها حامد لابنه وقتٌ ليس عبئاً بقدر ما هو استثمار في الأمل، وبين ضغوط الحياة وتحدياتها لا يزال حلم الأب بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد، أن يرى حسنين يعيش حياةً قريبة من الطبيعي محاطاً بالحب، قادراً على شق طريقه بثقة مهما كانت الصعوبات.
"تحديات كبيرة"
مركز ذي قار لتأهيل المصابين بمرض طيف التوحد كشف عن مستوى من الاصابات بدأت تتزايد، وبحسب ما كشفه مدير المركز الدكتور نعمة جلود التميمي لمنصة "الجبال" فإن الارتفاع بدا واضحاً في أعداد الأطفال المصابين بطيف التوحد في المحافظة، مبيناً أن العدد الحقيقي بلغ 2950 طفلاً مصاباً بطيف التوحد مع الأمراض المرافقة، مقارنة بـ 2600 إصابة خلال عام 2024.
وقال التميمي إن هذا الارتفاع يفرض تحديات كبيرة على واقع الخدمات المقدمة، في وقت يشهد فيه المركز تحسناً واضحاً من حيث الخبرة التخصصية في التعامل مع أطفال التوحد، لافتاً إلى أن المركز لا يقتصر دوره على الجانب العلاجي فقط، بل يشمل برامج تأهيل وتدريب وتوعية لأولياء الأمور حول كيفية التعامل الصحيح مع الطفل المصاب، وأساليب دعمه داخل الأسرة والمجتمع.
وأضاف أن ساعات التدريب داخل المركز تبقى "غير كافية" لوحدها، مؤكداً أن علاج طيف التوحد يتطلب رعاية مستمرة واهتماماً يومياً داخل المنزل، وهو ما يعمل المركز على تعزيزه من خلال تدريب الأهالي ومرافقتهم في رحلة التأهيل.
أشار التميمي إلى وجود جهات ساندة تسهم في دعم عمل المركز من بينها مركز السموم الذي يُجري تحاليل خاصة للأطفال المصابين، إلى جانب وحدة السمع والتخاطب في مستشفى الحبوبي، فضلاً عن وحدة العيون، ضمن مسار تشخيصي وعلاجي متكامل.
وفيما يتعلق بالكوادر العاملة، أوضح مدير المركز أن النقص في الملاكات التخصصية يشكل تحدياً حقيقياً، لاسيما المدربات، إذ لا يتجاوز عددهن ما بين 7 إلى 8 مدربات فقط، وهو عدد غير كافٍ قياساً بحجم الإصابات، خاصة وأن بعض الحالات تتطلب وجود مدربتين لكل طفل لضمان فعالية التدريب، مبيناً أن المركز وضع "جدولاً خاص" لمراجعات الأطفال المصابين، حيث يقوم الأهالي بجلب أبنائهم وفق مواعيد محددة، وأن "القدرة الاستيعابية القصوى للمركز لا تتجاوز 30 طفلاً يومياً، الأمر الذي يفرض ضغطاً متزايداً على الخدمات المقدمة".
"أسباب غير مثبتة علمياً"
وحول أسباب الإصابة بطيف التوحد، أكد التميمي أن الأسباب المباشرة غير مثبتة عالمياً حتى الآن، مرجحاً أن يكون المرض ناتجاً عن تفاعل عوامل جينية مع البيئة المحيطة وهو ما يستدعي المزيد من الدراسات والبحوث العلمية.
ويطالب مختصون بضرورة تعزيز الدعم الحكومي لمراكز تأهيل المصابين بطيف التوحد في ذي قار، من خلال زيادة الكوادر التخصصية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية وتوفير برامج دعم للأسر، في ظل الارتفاع المستمر بعدد الإصابات.
منظمة الصحو العالمية بينت أن اضطرابات طيف التوحد "هي مجموعة متنوعة من الاعتلالات، وتتميز بدرجة معينة من الصعوبة في التفاعل الاجتماعي والتواصل، ولهذه الاعتلالات سمات أخرى تشمل أنماطاً غير مألوفة من الأنشطة والسلوكيات مثل صعوبة الانتقال من نشاط إلى آخر والاستغراق في التفاصيل وردود الفعل غير الاعتيادية على الأحاسيس".
وتتباين قدرات الأشخاص المصابين بالتوحد واحتياجاتهم، ويمكن أن تتطور مع مرور الوقت، وقد يتمكن بعض الأشخاص المصابين بالتوحد من التمتع بحياة مستقلة غير أن بعضهم يحتاج إلى الرعاية والدعم مدى الحياة.
وتشير التقديرات في عام 2021 إلى أن شخصاً واحداً من كل 127 شخصاً في العالم مصابٌ بالتوحد وتمثل هذه التقديرات رقماً متوسطاً، ويختلف معدل الانتشار المبلغ عنه اختلافاً شديداً بين الدراسات ومع ذلك، أفادت بعض الدراسات الصارمة بمعدلات أعلى بكثير ولا يُعرف معدل انتشار التوحد في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وقد أعلنت جمعية الأطباء النفسانيين العراقية في تموز 2025 عن إطلاق "بروتوكول" علاجي متكامل لاضطراب طيف التوحد، في خطوة وُصفت بأنها "نقلة نوعية" في مسار التعامل الطبي والنفسي مع هذا الاضطراب في العراق.
وجرى إعداد البروتوكول على يد فريق متخصص من شعبة الاختصاص الدقيق في نفسية الأطفال بمستشفى مدينة الطب، ليشكّل إطاراً علمياً موحّداً يهدف إلى توحيد المعايير الوطنية للتشخيص والعلاج، بما ينسجم مع أحدث الممارسات الطبية المعتمدة.
وتُمثّل هذه الخطوة تمهيداً لاعتماده رسمياً وتعميمه على جميع مؤسسات الصحة النفسية في البلاد، الأمر الذي من شأنه الارتقاء بجودة الرعاية الصحية والنفسية المقدمة لأطفال اضطراب طيف التوحد.
وفي محافظة ذي قار، بلغ عدد المدارس التي تحتوي على صفوف للتربية الخاصة للعام الدراسي 2023-2024 نحو 68 مدرسة، تضم 658 طالباً، من بينهم 273 طالبة.
وجّه نقيب المعلمين في ذي قار حسن السعيدي، "انتقادات" للمؤسسة التربوية في المحافظة على خلفية سياسات الدمج المعتمدة في صفوف التربية الخاصة داخل المدارس، مؤكداً أن هذه السياسات تُطبَّق بطريقة غير مدروسة.
وقال السعيدي: "من غير المقبول تربوياً جمع طلبة يعانون من اضطرابات مختلفة، مثل طيف التوحد وضعف السمع والبصر والتخلف الذهني، في صف دراسي واحد"، مشدداً على أن "لكل حالة خصوصيتها وأساليب تعليم وتأهيل مختلفة لا يمكن التعامل معها بنهج موحّد".
وأضاف أن "صفوف التربية الخاصة غالباً ما تكون ضمن المدارس الاعتيادية التي تضم طلبة أسوياء، الأمر الذي يحدّ من إمكانية توفير الرعاية التعليمية المتخصصة التي يحتاجها هؤلاء الطلبة".
دعا السعيدي الجهات المعنية إلى "تبني سياسات أكثر تخصصاً واهتماماً بهذه الفئة، إلى جانب ضرورة تأهيل وتدريب الكوادر التعليمية على أساليب التدريس الحديثة وطرق التعامل الفعّال، ولا سيما مع طلبة طيف التوحد، بما يسهم في تحسين سلوكهم واندماجهم التعليمي بشكل صحيح".
مركز لتأهيل المصابين بالتوحد في ذي قار