كشف المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق، غلام محمد إسحق زى، في منشور حمل عنوان "أهوار بلاد الرافدين: موقع تراث عالمي على حافة الخطر"، عن صورة مقلقة لواقع الأهوار في جنوب العراق، محذراً من أن "هذا الإرث الإنساني الفريد، الذي نال اعترافاً عالمياً عام 2016 يواجه اليوم خطر التلاشي والاندثار".
وعلى الرغم من الاعتراف الدولي والالتزامات الوطنية بحماية الأهوار، فإنها لا تزال تتقلص بوتيرة متسارعة بفعل التغير المناخي، وشح المياه، وتراجع الإدارة المستدامة للموارد، إذ أن هذا التدهور لم يعد بيئياً فحسب، بل تحول إلى أزمة إنسانية واقتصادية تهدد أنماط حياة متجذرة منذ آلاف السنين.
الجاموس يختفي… والصيد يتراجع
ويشير إسحق زى بحسب ما تابعته منصة "الجبال"، إلى أن "التقييم التشاركي للنظم البيئية، الذي قاده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023، يقدم أرقاماً واضحة أمام واقع يتطلب اهتماماً عاجلاً، مؤكداً أن "مربّي الجاموس الذين شكّلوا لعقود العمود الفقري لاقتصاد الأهوار اضطروا إلى بيع قطعانهم أو التحول إلى تربية الأبقار الأقل استهلاكاً للمياه فقد انخفضت أعداد الجاموس بأكثر من 76 في المائة، ما أدى إلى تراجع حاد في إنتاج الحليب وارتفاع أسعاره، الأمر الذي أثقل كاهل الأسر التي اعتمدت عليه كمصدر رزق رئيسي".
أما قطاع الصيد الذي يوفر سبل العيش لأكثر من 40 في المائة من سكان الأهوار وشهد انهياراً شبه كامل إذ تراجع الإنتاج من نحو 80 طناً يومياً إلى مستويات تكاد تكون معدومة، نتيجة شح المياه، والصيد غير المنظم، وتفاقم التحديات البيئية.
أزمة مياه ونزوح متسارع
وتواجه أنظمة المياه في مناطق الأهوار ضغوطاً كبيرة، إذ أن أكثر من 86 في المائة من محطات التحلية غير كافية، بينما توقف نحو 40 في المائة منها عن العمل، ما يضطر الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج بتكاليف مرتفعة.
هذه الأوضاع دفعت إلى تسارع وتيرة الهجرة والنزوح، فمنذ عام 2018 نزح أكثر من 170 ألف شخص وغادر ما يقرب من نصف سكان الأهوار مناطقهم بحثاً عن فرص أفضل، فيما غادر 7.5 في المائة البلاد بالكامل وتتحمل النساء العبء الأكبر من هذه الخسائر، مع فقدان الأدوار الاقتصادية التقليدية، ما يضعف صمود الأسر ويعمّق فجوات عدم المساواة ويؤثر سلباً في التماسك الاجتماعي.
أزمة تتجاوز حدود الأهوار
ولا تقتصر تداعيات هذا التدهور على مناطق الأهوار وحدها، بل تمتد لتطال الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات والاقتصادات المحلية والتقدم نحو أهداف التنمية الوطنية.
الأهوار، كما يؤكد إسحق زى، ليست مجرد قضية بيئية، "بل ركيزة أساسية للهوية البيئية والثقافية والاقتصادية للعراق".
جهود قائمة… لكنها غير كافية
في المقابل، يبذل العراق وشركاؤه الدوليون جهوداً مهمة لوقف هذا التدهور إذ يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تنفيذ خطة العراق للاستثمار المناخي عبر استعادة الأهوار ودعم التكيف المجتمعي في 6 محافظات، بينها الجبايش.
كما تواصل المنظمة الدولية للهجرة توثيق النزوح المرتبط بالمناخ ودعم مبادرات الصمود، فيما تستثمر منظمة الأغذية والزراعة بالتعاون مع الصندوق الأخضر للمناخ 39 مليون دولار في الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة.
ويدعم برنامج الأغذية العالمي حلولاً طبيعية عالية الأثر، مثل استعادة غابات القرم في البصرة، لما لها من قدرة كبيرة على احتجاز الكربون.
كما تساند اليونسكو التعاون العابر للحدود في مجال المياه، والإصلاحات القانونية وحماية البيئة، وهي جهود أسهمت في وقف أنشطة استكشاف النفط في أجزاء من الأهوار وعلى المستوى الوطني، تعمل وزارتا البيئة والموارد المائية على تحديث الدراسة الاستراتيجية للمياه والأراضي لتعزيز تخصيص المياه والضمانات البيئية.
من الاعتراف إلى الاستعادة
ويرى إسحق زى أن هذه المبادرات رغم أهميتها، لا تزال دون مستوى التحديات، مؤكداً أن "إدراج الأهوار على قائمة التراث العالمي لم يكن غاية بحد ذاته، بل مسؤولية والتزاماً جماعياً تجاه الأجيال المقبلة.
ويحدد إسحق زى "الطريق إلى الأمام" بثلاث أولويات أساسية: أولها، تأمين المياه وإدارتها بشكل مستدام عبر تعزيز حوكمة الأحواض وتقليل الفاقد والحد من التلوث، وثانيها، بناء سبل عيش متنوعة وقادرة على الصمود من خلال دعم مربّي الجاموس، وتوسيع الاستزراع السمكي، والحرف اليدوية، والسياحة البيئية، أما ثالثها، فيتمثل في تمكين المجتمعات المحلية عبر البيانات، والمشاركة، والبنية التحتية الذكية مناخيًا، مع ضمان دور فاعل للنساء والشباب في صنع القرار.
ويختتم المنسق الأممي تحذيره بالقول إن الأفكار ليست جديدة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ الواسع، فالأهوار بحاجة إلى استثمارات مستدامة، وحماية فعالة، وقرارات استراتيجية تعكس أهميتها التاريخية والبيئية.
(أهوار العراق ـ أرشيف)