في حصيلة مقلقة تعكس ارتفاعاً لافتاً في أعداد ضحايا الطرق، أعلن مستشفى الناصرية التعليمي عن استقبال أكثر من 5500 إصابة ناجمة عن الحوادث المرورية خلال العام 2025 المنصرم.
وقال مدير المستشفى الدكتور مصطفى جلود العمري لمنصة "الجبال" إن "غالبية الإصابات وقعت داخل حدود محافظة ذي قار حيث تم نقل المصابين إلى المستشفى لتلقي العلاج العاجل"، مؤكداً أن "أعداد المراجعين كانت بمعدل يومي مرتفع مقارنة بالسنوات السابقة".
وبيّن العمري أن "الإصابات توزعت بواقع 4451 إصابة للرجال و390 إصابة للنساء إضافة إلى 697 إصابة لأطفال من الجنسين، في مؤشر خطير يعكس تعرض الفئات العمرية كافة لمخاطر الحوادث المرورية".
وأضاف أن "الحالات تراوحت بين الحرجة والمتوسطة والطفيفة، ما استدعى استنفاراً متواصلاً في قسم الطوارئ لمواجهة ضغط العمل"، مشيراً إلى أن "الملاكات الطبية والصحية والساندة عملت بكفاءة عالية وعلى مدار الساعة لإنقاذ حياة المصابين وتقديم أفضل الخدمات العلاجية الممكنة".
وأكد مدير المستشفى أن الأرقام المتزايدة "تستدعي تضافر جهود المجتمع والجهات المسؤولة للحد من الحوادث، عبر نشر الوعي المروري وتشديد الرقابة وتحسين بنية الطرق، حفاظاً على أرواح المواطنين ومستقبل الأجيال المقبلة".
فيما كشف مصدر أمني في شرطة ذي قار لمنصة "الجبال" عن تسجيل تراجع ملحوظ في عدد الحوادث المرورية خلال عام 2025 مقارنة بالفترة السابقة، إلا أن الحصيلة كشفت عن استمرار الخسائر البشرية على الطرق الخارجية في المحافظة.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، شهد عام 2024 وقوع 452 حادثاً مرورياً في عموم ذي قار، أسفرت عن وفاة 168 شخصاً وإصابة 487 آخرين، معظمها ناجم عن السرعة المفرطة وسوء الالتزام بقواعد المرور.
وفي عام 2025، سجّلت مديرية المرور 268 حادثاً مرورياً تسببت في وفاة 112 شخصاً وإصابة 526 آخرين، حيث أكد المصدر الأمني أن أغلب تلك الحوادث وقعت في الطرق الخارجية التي تربط المحافظة بمحافظات أخرى، نتيجة الانشغال أثناء القيادة وضعف الإنارة وسوء البنى التحتية في بعض المقاطع.
وأكد المصدر أن "مديرية المرور مستمرة بإجراءاتها التوعوية وتكثيف الرقابة على الطرق خلال العام الحالي"، داعيًا السائقين إلى الالتزام بالسرعات القانونية وترك استخدام الهاتف أثناء القيادة، حفاظًا على حياتهم وحياة الآخرين.
ورغم الاتفاق على خطورة الحوادث المرورية واستمرار نزيف الأرواح على الطرق الخارجية، فإن التباين الكبير بين عدد الإصابات المسجلة في المستشفى وما أوردته المصادر الأمنية دفع مراقبين وناشطين إلى التساؤل بشأن دقة الإحصاءات وآليات توثيقها وسط دعوات لتوحيد قواعد البيانات بين مؤسسات الدولة.
ويرى مختصون أن هذا التضارب لا يمثل مشكلة رقمية فحسب بل قد يؤثر على وضع السياسات وخطط الحد من الحوادث، وعلى قدرة الجهات ذات العلاقة في تخصيص الموارد اللازمة لدعم المستشفيات، وصيانة الطرق، ومتابعة تطبيق القوانين بحق المخالفين.
من جانبه، أعرب مكتب حقوق الإنسان في ذي قار عن قلقه البالغ إزاء أرقام الحوادث المرورية المتصاعدة، إذ قال مدير المكتب، كريم الغزي، في تصريح لمنصة "الجبال" إن فريقاً من المكتب أجرى زيارة ميدانية إلى دائرة المرور والقاطع الشمالي الذي يعد من أكثر المناطق تسجيلاً للحوادث على الطرق السريعة.
وأكد الغزي أن الزيارة شددت على ضرورة رفع مستوى التوعية المرورية لدى المواطنين، والتوسع في برامج التثقيف لضمان التزام السائقين بقواعد السير، كما دعا إلى تشديد إجراءات منح إجازات القيادة، لضمان أن يكون السائق مؤهلاً تماماً وملماً بقواعد القيادة السليمة، وكيفية التعامل مع الطريق وحماية نفسه والآخرين.
"سببان رئيسيان"
وكشف ضابط إعلام مرور ذي قار، العقيد مؤيد حميد، لـ"الجبال" أن الحوادث المرورية في المحافظة تعود إلى سببين رئيسيتين: الأول هو أنها تقع على الطرق السريعة وغالباً ما تكون نتيجة السرعة المفرطة أو استخدام الهاتف أثناء القيادة، الأمر الذي يتسبب بتشتيت انتباه السائق وانشغاله عن الطريق، إضافة إلى حالات النعاس التي تقود إلى ارتكاب أخطاء قاتلة. أما الثاني متعلق بالحوادث داخل المدن ويرجع أغلبها إلى السير عكس الاتجاه أو الاستدارة الخاطئة أو تجاهل الإشارات المرورية، وهي مخالفات تتكرر يومياً وتعرض مستخدمي الطريق للخطر.
ويؤكد العقيد حميد أن "سوء الطرق وضعف متانة بعض المركبات يسهمان كذلك في ارتفاع الحوادث، إلا أن السائق يبقى الطرف الأكثر تحملا للمسؤولية"، موضحاً أن "85% من الحوادث تعود لسلوك السائقين، مقابل 10% فقط تتعلق بعوامل الطرق والمركبة".
وكشفت هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية في وزارة التخطيط حول مسببات الحوادث المرورية لعام 2024 أن "السائق ما يزال العامل الأكثر تأثيراً في وقوع الحوادث، حيث شكّلت الأخطاء البشرية ما نسبته 77.6% من إجمالي الحوادث المسجلة في البلاد".
وجاءت الأعطال أو مشكلات المركبات في المرتبة الثانية بنسبة 9.6%، بينما سجّلت العوامل المتعلقة بالمنشآت والبنى التحتية نسبة 5.8% من أسباب الحوادث.
أما النسبة المتبقية، والبالغة 6.9%، فتوزعت بين حالة الطريق وظروفه وتأثير الركاب إضافة إلى عوامل أخرى متفرقة.
ومنحت محافظة ذي قار في عام 2025 وفق مصدر حكومي أكثر من 32 ألف إجازة قيادة مركبة منها 1008 إجازات للنساء، بينما كانت البقية للرجال في مؤشر يعكس توسع مشاركة النساء تدريجياً في مجال القيادة.
وفي جانب تسجيل المركبات، تم ترويج أكثر من 48 ألف معاملة لتسجيل مركبات من مختلف الأنواع، حيث منحت الإجازات السنوية وفق الإجراءات النظامية، ما يعكس نشاطاً ملحوظاً في حركة المرور وتسجيل السيارات بالمحافظة خلال العام الماضي.
"توصيات حكومية"
وأعلن مجلس الوزراء في اجتماعه المنعقد خلال آب 2025، إقرار حزمة واسعة من التوصيات للحد من الحوادث المرورية، وذلك استناداً إلى تقرير مفصل رفعته لجنة مختصة درست أسباب ارتفاع معدلات الحوادث في البلاد.
وتضمنت التوصيات تطوير البنى التحتية عبر إعادة تأهيل الطرق القديمة وتوسيع الشوارع الرئيسة وتركيب إشارات مرورية إلكترونية وتحذيرية واضحة إلى جانب تعزيز الإنارة ليلاً في الطرق السريعة والخارجية بالتنسيق مع أمانة بغداد والمحافظات.
وسعى المجلس أيضاً إلى رفع الثقافة المرورية من خلال إطلاق حملات توعية مستمرة تستهدف السائقين والمشاة، وإدخال مفاهيم السلامة في المناهج الدراسية، فضلاً عن تشجيع المنظمات الشبابية والطلابية على نشر التوعية داخل المدارس والجامعات وشبكات التواصل الاجتماعي.
وشملت القرارات تشديد الإجراءات بحق السائقين المخالفين عبر فرض دورات تدريب إلزامية لمن يكرر المخالفات لسنوات متتالية، وتفعيل الردع القانوني باستخدام الكاميرات الذكية لرصد الانتهاكات إضافة إلى فرض غرامات على المركبات المتهالكة وغير المجددة، مع استثناء السيارات الكلاسيكية.
وفي الجانب الأمني والتنظيمي أوصى المجلس بتنظيم عملية الاستيراد لتقليل الزحام وإقامة نقاط مرور توعوية مؤقتة، وإنشاء ممرات وجسور للمشاة والدراجات إلى جانب فرض فحوص طبية ونفسية دورية لسائقي النقل العام والمركبات الثقيلة.
كما تضمنت الإجراءات دعم فرق الاستجابة السريعة وتزويدها بوسائل إسعاف وإنقاذ حديثة، إلى جانب مبادرة لتكريم السائقين الملتزمين بقواعد المرور ممن يخلو سجلهم من المخالفات، وفق ضوابط تعتمدها مديرية المرور العامة.
مركبة محطمة جراء حادث سير على طريق خارجي في ذي قار